دراسة تاريخية الأكراد تحت الانتداب الفرنسي

كتبهاالحقيقة والحوار ، في 30 حزيران 2008 الساعة: 12:39 م

إن دراسة تاريخ الشعب الكردي في سورية، شرط ضروري لفهم صحيح لواقع هذا الشعب الذي يعاني من الاضطهاد والحرمان على أرضه. وعلى ضوء الدراسات التاريخية، يمكن تشخيص الواقع و الانطلاق منه لتغييره نحو الأفضل. و بحدود إمكاناتنا المتواضعة نحاول المساهمة في البحث في

تاريخ شعبنا. وضمن هذا الإطار، رأينا من المفيد إعادة نشر دراسة مختصرة ومتواضعة، حول الوضع الكردي أثناء الانتداب الفرنسي في سورية. نرجو من القراء الأعزاء أن يبادروا إلى تصحح أخطاءنا، و تنشيط البحث العلمي عبر آرائهم ومقترحاتهم وانتقاداتهم.

أولاً:الوضـع العـام

كان الأكراد القوميون في كردستان الشمالية (تركية) منقسمين بين المطالبين بالحكم الذاتي، و المطالبين بالاستقلال، و لم ينل أي التيارين ما كان يصبو إليه، و استطاع مصطفى كمال إبعاد غير الأتراك عن الحكم. في حين أصبحت الحركة الكردستانية أكثر فعالية في قسميها الجنوبي و الشرقي (عراق و إيران.(

فرفض الشيخ محمود البرزنجي (1878-1956) أن تخضع الأقاليم الكردية في العراق للاحتلال الانكليزي عقب الحرب العالمية الأولى، و عندما حاول الانكليز تقليص نفوه في كردستان رفع الشيخ محمود السلاح في وجه الانكليز في 21 أيار 1919.

تمكنت القوات الانكليزية من السيطرة على كردستان العراق عقب معركة دامية بقرب من بندربازيان في 9 حزيران 1919. لكن في عام 1922 و إثر تغيرات في السياسة الإقليمية وافق الانكليز على إنشاء وحدة سياسية كردية و عاد الشيخ محمود الى السليمانية ليعلن نفسه ملكا على كردستان ،و اتخذ من السليمانية عاصمة لمملكته، و شكل حكومة من ثمانية وزراء، و اعترفت بها الحكومتان العراقية و البريطانية في 22 كانون الأول 1922(1). بقيت هذه المملكة حتى حزيران عام 1924 عندما زحفت القوات العراقية المدعومة بالطيران الانكليزي على كردستان للقضاء على هذه الدولة الكردية الفتية.

أما في كردستان الشرقية، فكان قد استطاع إسماعيل آغا الشكاكي أن يسيطر، من عام 1920 حتى 1930، على أغلب الأقاليم الكردية في إيران، و كان يطالب باستقلال كردستان كاملة (2).

في غدوة الحرب العالمية الأولى، و بشكل أدق في 16 حزيران 1920، قدم الأمير أمين عالي بدرخان (زعيم التيار الاستقلالي الكردي آنئذ) إلى المفوض العام الفرنسي في اسطنبول مذكرة قال فيها ” لنا نفوذ كبير في كردستان، و خاصة في القسم الذي سيقع تحت الانتداب الفرنسي (3)، ذلك النفوذ الذي يمكن لحكومتكم أن تستخدمه من أجل الوصول إلى الهدف الذي ليس سوى ضمان السلم و الرخاء في كل البلاد التي تسيطر عليها” (4).

احتل الجيش الفرنسي دمشق في 23 تموز 1920 بقيادة الجنرال غورو، الذي ذهب في اليوم الثاني الى ضريح صلاح الدين الأيوبي في الجامع الأموي، من أجل أن يناديه قائلا ” ها نحن يا صلاح الدين قد عدنا ” و كان هذا رداً على صلاح الدين الذي قد قال للصليببين ” إنكم خرجتم من الشرق و لن تعودوا إليه” (5). فجرح خطاب غورو شعور الأكراد و خاصة وجهاء العشائر ذو الأغلبية المسلمة، و عزز هذا الخطاب خشية الزعماء الأكراد المحليين من فقدان نفوذهم بين السكان فيما اذا استلمت دولة قوية مثل فرنسا زمام الأمور، و اتخذت سياسة مركزية في الحكم.

كانت إجراءات تعيين الحدود بين الفرنسيين و الأتراك و الانكليز، تثير سخط الأكراد الذين كانوا يشعرون بالضرر من إقامة الحدود التي تقسم عشائرهم و ممتلكاتهم و تعرقل تجارتهم. إضافة إلى ذلك كان قد يئس الأكراد من السياسة الفرنسية في مؤتمر السلم فيما يخص الأقاليم الكردية المخصصة لفرنسة، تلك السياسة المتعارضة مع الوحدة الكردية و مع النشاط الاقتصادي في كردستان.

ساهمت هذه العوامل، القومية و الدينية و الاقتصادية في انتفاض الشعب الكردي ضد السلطات الفرنسية.

ثانياً:انتفاضة إبراهيم هنانو

إبراهيم هنانو، و هو من عائلة كردية، كان يقيم في جبل الزاوية الواقع في الجنوب الغربي من حلب، استطاع إبراهيم هنانو، و بالاتفاق مع بعض زعماء العشائر الكردية الأخرى، و خاصة مع مصطفى آغا من فريرية (6)، استطاع أن يشكل أربع فرق عسكرية، أغلبها من الفلاحين الأكراد، و أعلن رسميا الثورة على الفرنسيين في 16 أيلول 1920 (7).

أصدر هنانو بيانا الى الشعب قال فيه ” قد سلّطت فرنسا جيوشها، ناقصة العهود، ونابذة الوعود، و سودت وجه تاريخها، مدّعية بأنها جاءت لمساعدتنا و إرشادنا، و حفظ حياتنا و استقلالنا، وما ادعاؤها هذا إلا كذب و بهتان …، لقد حاربنا في صفوف الحلفاء وثرنا على الحكم التركي، فماذا كانت النتيجة، لقد خاننا الحلفاء و تنكروا لقضايانا و داسوا و هزئوا بدمائنا و دماء شهدائنا دون أي ذنب جنينا، سوى مطالبتنا بالحفاظ على حريتنا و كرامتنا”(9).

ودارت معارك طاحنة دامية ذهب ضحيتها عدد كبير من الفلاحين المنتفضين تحت قيادة هنانو، نتيجة تصديهم لزحف القوات الفرنسية على المنطقة، و بالمقابل، استطاعت المقاومة أن تلق الهزيمة بالقوات الفرنسية في أكثر من موقع و أن تكبدها خسائر فادحة في المعدات و الأرواح، مما اضطر الحاكم الفرنسي (غورو) أن يعزز تحشدات قواته العسكرية، و استطاع بذلك أن يخمد انتفاضة هنانو، مما اضطر هذا الأخير أن يلجأ إلى القدس بغية طلب المساعدة من ملك الأردن عبد اللـه بن الحسين ، و للأسف

ذهبت مساعي هنانو بدون جدوى، و هناك ألقت القوات البريطانية القبض عليه، و سلمته إلى الحاكم الفرنسي في سورية، و تمت محاكمته أمام مجلس عسكري فرنسي.

و في دفاعه أمام هذا المجلس قال هنانو: ” لقد طلبت من الجنرال غورو أن يستفتوا الشعب استفتاء حراَ ليقرر مصيره بنفسه، فلماذا لم تفعلوا ذلك. كنتم تدركون تماما أن الشعب يرفضكم و يطالب بالحفاظ على استقلاله و أنتم غرباء عن هذا البلد، معتدون و لاحق للمعتدي الغاصب أن يحاكم الأبرياء” (10)، و تحت الضغط الجماهيري اضطر المجلس العسكري إلى إخلاء سبيل هنانو.

في عام 1925، حثّ هنانو السكان، من جديد، على الانتفاض ضد الفرنسيين في منطقة جبل الزاوية، و أشاد علاقات متينة مع قادة انتفاضات العلويين و الدروز، و بذلك استطاع هنانو، مع كل من القادة الشيخ صالح العلي و سلطان الأطرش أن يزعزعوا الحكم الفرنسي العسكري في سورية و إجبار فرنسا على تغيير سياستها من المصادمة و الحكم العسكري المباشر إلى سياسة الخداع و المساومة، وقع إبراهيم هنانو مريضا في عام 1935، و توفي في عام 1936.

بقي هنانو، إلى أخر أيامه، مخلصا لوطنه، مضحيا بما لديه من إمكانيات متواضعة، معتبرا الكفاح الجماهيري المسلح الأسلوب الصحيح و الفعّال للتحرر، و كان أشد ما يثير سخط هنانو، هو تعاون بعض السياسيين (البرجوازية التجارية و بعض الملاّكين العقاريين) مع الفرنسيين، ولجوئهم إلى أسلوب المساومة مع المستعمر على حساب المصلحة الوطنية(11).

ثالثاً:احتلال الجــزيرة

بشكل عام، عندما طردت فرنسا الملك فيصل بن الحسين من سورية، ولد عند العشائر العربية حقد معاد لفرنسا، إذ أن هذه العشائر لم تكن تفهم اللعبة الدولية، بقدر ما كانت تفهم المسير اليومي للأحداث المحلية، و لم تكن قادرة على استيعاب الاتفاق الانكليزي الفرنسي على ما جرى من تبادل في مناطق النفوذ، فاحتفظ أغلب شيوخ هذه العشائر العربية بولائهم للهاشميين و الانكليز. كان يتوجب منطقيا أن يكون هؤلاء الشيوخ العرب ضد توسع الجيوش الفرنسية في المنطقة الكردية (الشمالية)، لكن لم تثبت الأحداث هذه الفرضية المحتملة.

ففي المنطقة الكردية، لم تكن توجد عشائر عربية مستقرة، إلا أنه كانت تصل بعض العشائر العربية مع قطعان مواشيها (طلبا للرعي) إلى بعض المناطق الجنوبية من الجزيرة، و كانت تطمع في الاستيلاء على هذه السهول، و الانتشار نحو الشمال الخصب، و لكنها كانت تواجه عقبة الوجود الكردي المستقر، و وجدت في دخول القوات الفرنسية إلى الجزيرة الفرصة المناسبة لتحقيق آمالها، فرغم احتفاظ أغلبيتهم بولائهم للهاشميين و الانكليز، اتخذ القسم الأكبر من شيوخ عشائر العرب موقفاً مؤيداً و مسانداً للقوات الفرنسية، في حين أن بعض العشائر فضلت اتخاذ موقف مزدوج، بحيث يتخذ أحد أو بعض زعماء العشيرة موقفا مؤيدا للفرنسيين، و يتخذ البعض الآخر من نفس العشيرة، موقف الحليف للأكراد.

أما الأكراد فقد كانوا ضد الانكليز الذين كانوا في حالة حرب ضد الشيخ محمود، و كانوا ضد الفرنسيين المتفقين مع الأتراك.

فمن أجل القضاء على انتفاضة الشيخ سعيد بيران، التي اندلعت عام 1925 في منطقة دياربكر “طلبت السلطات التركية في بداية شهر آذار من الحكومة الفرنسية، السماح لها بمرور أربعة قطارات يوميا على الخط الحديدي بغداد، من أجل نقل من 20.000 حتى 25.000 رجل مع عتادهم إلى ساحة العمليات” (12)، و في نهاية أيار 1925 “طلبت الحكومة التركية مرة أخرى من الحكومة الفرنسية، السماح لها بمرور تعزيزات عبر سورية على الخط الحديدي بغداد” (13)، و ساعد هذا الموقف الفرنسي المعادي للأكراد، في انتعاش الروح القومية و تعزيز إرادة المقاومة عند أكراد الجزيرة أثناء احتلالها من قبل القوات الفرنسية.

بعد انهزام القوات العثمانية أمام الحلفاء، بقيت الجزيرة الكردية خاضعة لسلطة زعماء عشائرها، و رغم المحاولات الفرنسية في بسط نفوذها على هذه المنطقة منذ عام 1922، فانها لم تتمكن من ذلك.

دخلت القوات الفرنسية إلى الجزيرة في حزيران-تموز 1925 بقيادة روكان، و استقبله مشعل باشا الجربا، أحد شيوخ عشيرة شمر العربية، و قدم له عناصر عشيرته و أمده بما لزمه من مؤن و دواب.

اتجه روكان و أنصاره نحو مدينة نصيبين المحتلة من قبل تركية، و شيّد في جنوبها ثكنة عسكرية بنيت حولها،فيما بعد، مدينة القاشلي الحالية. أما عشيرة الطي العربية، فانقسمت في ذلك الوقت الى جماعتين، كانت الجماعة الأولى بزعامة شيخ العشيرة نايف عبد الرحمن، الذي وقف الى جانب الفرنسيين و ساندهم بكل ما لديه من إمكانيات، في حين تزعم الجماعة الثانية أخو شيخ العشيرة محمد عبد الرحمن، الذي تعاون مع العشائر الكردية في مقاومة الاحتلال الفرنسي (14).

تمركز الفرنسيون في قرية بيان دوور، التي تبعد حوالي 17كم عن مدينة القامشلي، و أقاموا مركزا إداريا بدرجة قائم مقام لإدارة المنطقة و تطبيق الأوامر الفرنسية على السكان، و جباية الضرائب و تم تعيين جاسم أفندي لإدارة هذا المركز. مما أثار سخط زعماء العشائر المحلية و عزز كره الفلاحين للقوات الفرنسية وعملائهم، فاشتدت المقاومة ضد الفرنسيين، و شكلت العشائر مجموعات مسلحة لإرهاب “الإدارة الفرنسية” و زعزعة تشكيلاتهم و تخويف عملائهم، و كانت هذه المجموعات تغير ليلا على مركز القائم مقاميه في بيان دوور، و تعمل قتلا و نهبا كلما أمكن، و في إحدى غاراتها تمكنت من إصابة جاسم أفندي بجراح خطيرة.

شنت السلطات الفرنسية حملة شرسة ضد الأكراد ووجهائها المحليين، فاعتقلت خليل أحمي مختار بيان دوور (15)، و عباس آغا محمد عباس مختار قرية محركان، وتوفي الاثنان أثناء التعذيب الذي تعرضا له على يد السلطات الفرنسية. في حين اضطر بعض زعماء العشائر الالتجاء إلى مناطق كردية أخرى، كان الفلاحون يتصدون بشجاعة للحملات القمعية الفرنسية،فاستشهد الكثير منهم أثناء الاشتباكات المسلحة، و أصبحت الاعتقالات من الإجراءات اليومية التي تعودت عليها كل القرى الكردية تقريبا، بينما كانت القبائل العربية الحليفة للأكراد، تنال قسطا أقل من القمع الفرنسي، وذلك أولاً لكونها غير مستقرة، تمتاز بإمكانية أكبر في التحرك و الانتقال، و ثانياً لكون أغلب عناصر القوات الفرنسية من العشائر العربية الموالية لها، كان قادة الاحتلال يفضلون كسب هؤلاء العرب المناهضين لهم عن طريق المساومة، بدلاً من إخضاعهم بالقوة و القمع.

اشتدت روح المقاومة عند الفلاحين نتيجة الاعتقالات الكثيفة، و وقوع عدد كبير من الضحايا، و إصرار الفرنسيين على جمع الضرائب على المحاصيل الزراعية و الماشية، فانتقل الفلاحون من الموقف السلبي المدافع إلى موقف المبادرة في مقاومة الجيش الفرنسي.

وفي 1926، اتخذت المقاومة من قرية تل شعير مركزا لها، و خططت للهجوم على ثكنة بيان دوور العسكرية،و من أجل ذلك استطاع الأكراد تحقيق أفضل تعاون فيما بينهم من جهة، و التفاهم مع بعض قبائل الطي (جماعة الشيخ محمد عبد الرحمن، (و الجوالة من جهة أخرى، وتم تشكيل مجموعة مسلحة مؤلفة من فلاحين أكراد هم عباس مراد، عبدو تيمار، علي عبد المجيد وتيمار، حسو عبد اللـه و شباب آخرون من الجهة الجنوبية، و كان يقود الهجوم من جهة الشرق حاج حسو طيار،وكان أول هجوم فلاحي استمر حتى مساء يوم التالي (16)، و سقط العديد من الفلاحين شهداء في هذا الهجوم، لكن تمكنت المقاومة من احتلال الثكنة مكبدين الفرنسيين أشد الخسائر في الأرواح و المعدات،في حين لاذ ما تبقى من الجنود الفرنسيين بالفرار و لجئوا مع قائدهم روكان إلى مشعل باشا الجربا و بعض قبائل الطي التابعة للشيخ نايف عبد الرحمن.

كان روكان و جنده قبل معركة بيان دوور، يرغبون في الذهاب إلى يثين خابور على الحدود العراقية - السورية، لاحتلالها و تشكيل أجهزة إدارية-عسكرية فيها، ومن أجل ذلك، كان روكان بحاجة إلى بعض عناصر كردية لتتعاون معه كدليل و لتساعده في مهمته، و بعد أن فشل في كسب التأييد عن طريق الإرهاب، لجأ إلى أسلوب الإغراء بالمال و الوعود، واستطاع بذلك أن يستغل بعض الفقراء الفلاحين مثل علي مستو أوسي و حسن هزو من قرية حلوة، و سيد طاهر من بيان دوور، و رافق هؤلاء المرتزقة الفرنسيين في زحفهم على يثين، فتصدت لهم قوات المقاومة الكردية بقيادة آل حسو بركات، و جرت معركة دامية بين الطرفين في دمر قابي، و التحق بالمقاومة الكردية أحد شيوخ شمر الخرصة، مثقال العاصي، لكن توقف هذا الأخير عن متابعة القتال ضد روكان وجنده، بعد تدخل بعض الوجهاء الموالين للفرنسيين، و بعد أن حصل هذا الشيخ العربي على وعود معسولة من روكان، إلا أن عشيرة جوالة العربية استمرت إلى جانب العشائر الكردية في مقاومة الفرنسيين. و انتقلت المعارك إلى قرية القطرانية، ثم حسمت في كرة توبي و استشهد عدد كبير من الفلاحين، و لكن في النهاية تمكنت المقاومة من إلحاق شر هزيمة بالفرنسيين و أنصارهم و ذلك بعد مقتل روكان قائد الحملة العسكرية على الجزيرة ” و كان ذلك في خريف عام 1926 و أصبحت تلك المنطقة، بدون سلطة إدارية حتى أواخر عام 1928″ (17).

خلال عام 1925، كان يتهيأ الشعب الكردي في تركيا لإقامة دولة كردية مستقلة، و انطلقت الثورة بقيادة الشيخ سعيد بيران في منطقة ديار بكر، لكن و بفضل التعاون التركي-الفرنسي، و لغياب الدعم الخارجي للأكراد و عدم التنسيق الكردستاني، استطاعت تركية قمع هذه الثورة، و شنت حربا فعلية ضد الشعب الكردي، ” أثار القمع التركي سلسلة من الانتفاضات المحلية مثل انتفاضة حاجو في آذار 1926 في منطقة نصيبين” (18)، التي لم تستطع إحراز أي نصر عسكري استراتيجي ضد تركية، لكن جسدت هذه الانتفاضة ظاهرة من ظواهر الوحدة القومية للأرض و الشعب الكردستاني (18)مكرر.

بقيت منطقة الجزيرة حتى نهاية عام 1927 بدون أية سلطة إدارية، و لم يسيطر الفرنسييون عليها إلا بعد موافقة بعض رؤساء العشائر الكردية القوية مثل حاجو آغا الهفيركي، و عفدي خلو آغا الميرسني (19). في حين بقي بعض زعماء العشائر الكردية الأخرى مناوئين للفرنسيين. و كان هذا سببا في إحداث الشقاق في المنطقة الكردية بين مناهضي الفرنسيين من جهة و مؤيديهم من جهة أخرى.

رابعاً:انتفاضات الثلاثينات

شهدت الساحة السورية في العشرينات هيجانا شعبيا كبيرا ضد السلطات الفرنسية، و تجسد الصراع في هذه الفترة بين الفرنسيين من جهة، و بين الزعامات العشائرية و الإقطاعية و الدينية، التي كانت تعتمد على جمهور الفلاحين من جهة ثانية.

برزت، خلال هذه الفترة برجوازية المدن (فئات المثقفين و التجار) كقوة اجتماعية صاعدة و ذات مصالح اقتصادية متوافقة مرحليا، مع نمط الاستثمار الاستعماري، إذ رشحت هذه البرجوازية نفسها كوسيط اقتصادي، و عميل سياسي بين المركز الرأسمالي الاستعماري (المتروبول الفرنسي) و السوق المحلية في سوريا. و كان أشد ما تطمح إليه الفئة المثقفة (و الأفندية ) هو الحصول على مناصب إدارية و مراكز سياسية و رتب و رواتب. و لكي تستطيع برجوازية المدن أن تنفيذ مهامها الكومبرادورية بشروط أفضل، ولانتزاع مكاسب أكثر، كان يتوجب عليها التحالف مع زعماء الريف (آغا، بك، شيخ، ملا…) المسيطرين على الإنتاج الزراعي.

رأت السلطات الفرنسية بأن هذا التحالف بين المدينة و الريف، في ظروف العشرينات، يضر بمصلحة الاستثمارات الرأسمالية المركزية، و قد يزعزع استمرارية الاستغلال الاستعماري، و يؤدي إلى زيادة تكاليف الإدارة الاستعمارية. لذلك، و منذ عام 1927، لجأت السلطات الفرنسية إلى محاولة فصل برجوازية المدن عن القوى الريفية (المعتمدة على الجمهور الفلاحي)، أو تحييدها على الأقل. و بدأ الفرنسيون يفاوضون البرجوازيين (و خاصة العرب السنة)، و يساومون معهم على الشروط الناظمة لحكم البلاد ( و إدارة السوق الاقتصادية). وبذلك انتقل شكل الصراع من الكفاح الفلاحي المسلح في الريف، إلى المساوات الاقتصادية و السياسية في المدن.

حتى ذلك الحين، لم تلعب البرجوازية الكردية سوى دوراً هامشياً في مجريات الأحداث، ولكون المجتمع الكردي، حتى ذلك الحين، لم يكن قد أفرز فئة برجوازية قادرة على المساومة مع السلطات الفرنسية، إذ لم تضع هذه الأخيرة في الحسبان طموحات الجماهير الكردية القومية، حيث أنها لم تتردد في السماح بنقل الجيوش التركية على الخط الحديدي من أجل قمع انتفاضة الشيخ سعيد في 1625. و كذلك ألغت هذه السلطات مقر اللجنة التنفيذية لجمعية خويبون في حلب في صيف 1928 (20)، على الرغم من أن هذه الجمعية لم تكن تطالب بأية حقوق سياسية لأكراد سورية.

فضلا عن ذلك نشرت السلطات الفرنسية دساتير لمختلف المناطق و الفئات السورية، و لم تأخذ في الاعتبار الوجود القومي الكردي، على المستوى الدستوري. و حتى بالنسبة لليزيديين، الذين ناصروا الفرنسيين أثناء الحرب العاليمة الأولى، أصابهم اليأس من عدم المبالاه التي لاقوها من قبل الفرنسيين فيما خصّ مطالبهم الدينية و المحلية.

انتفاضات جبل الأكراد

حاول الفرنسيون في السنوات الخمس الأولى من الانتداب، بسط نفوذهم بالسلاح في المناطق الكردية، فلاقت هذه السياسة مقاومة شعبية مسلحة عامة، ففي منطقتي جبل الأكراد و جبل الزاوية (20 مكرر). قاوم الأكراد قوات الاحتلال و قدموا تضحيات كبيرة و كبدوا الفرنسيين خسائر جسيمة.

اضطرت السلطات الفرنسية فيما بعد إلى إتباع اسلوب المساومة لكسب أصحاب النفوذ في المنطقة، و فعلا استطاعت هذه السلطات كسب تأييد الكثير من زعماء العشائر الكردية القوية، ففضلا عن اليزيديين، أقام الفرنسيون علاقات طيبة مع زعماء عشيرة جومي الكبيرة، و مع أحمد آغا الكينج الملي، ومع أبناء العم شيخو و فائق آغا ذوي النفوذ القوي في منطقة جبل الأكراد، و هذان الأخيران فضّلا الولاء للفرنسيين و لو كان ذلك على حساب المصلحة القومية، حيث لم يستجيبا لنداء الشيخ سعيد قائد انتفاضة ديار بكر ضد الأتراك ” و كان ذلك سهلا وممكنا، كان بالإمكان قطع طريق السكة الحديدية في تركيا و نسفه، و كانت السكة الحديدية الوسيلة الوحيدة السريعة لإيصال الجيش التركي المؤن الموجهة من الغرب إلى الشرق ضد الثورات الكردية، لكن زعماء الجبل تقاعسوا عن تلبية هذا النداء القومي”(21).

و هذا ما ساهم في تقليص الرصيد القومي لوجهاء و زعماء العشائر بين الجماهير الكردية التي كانت متحمسة لمساندة الأكراد المنتفضين في ديار بكر.

و كان الاقتصاد (الزراعي) الكردي في هذه المنطقة متأخراً، و تابعا لسيطرة البرجوازية التجارية الكردية، و يجعلها قاصرة عن تحقيق مكاسب وطنية، فتبوأت الفئة المثقفة بتحمل المسؤولية الوطنية ضد القوات التركية و الفرنسية وحلفائها من زعماء العشائر الكردية.

قام المصلح الاجتماعي الكردي إبراهيم خليل و هو أحد الضباط السابقين في الجيش العثماني، بقيادة الحركة الوطنية في المنطقة، معتمدا على بعض المبادئ الإسلامية في العدالة. بشّر بين الأكراد بعقيدة اجتماعيه ـ دينيه، استطاع أن يستخدمها كأداة إيديولوجية لحركته الوطنية. فقاوم الأتراك الكماليين والفرنسيين معاَ باسم الإسلام، في حين كان، باسم العدالة الاجتماعية، يحرض الفلاحين ضد الزعماء العشائريين و الملاكين الكبار الذين كانوا يتعاونون مع السلطات (التركية و الفرنسية)، و لذلك فقد نال إبراهيم خليل وبسرعة فائقة تأييد الفئات الاجتماعية الأكثر فقرا من بين الأكراد. في عام 1930و بعد انضمام بعض المثقفين إلى حركته، أسس إبراهيم رابطة لتأطير و تنظيم تابعيه سميت برابطة المريدين.

بعد أن اتخذت حركة إبراهيم الخليل طابعا تنظيميا، و لترافق نشاط هذه الحركة مع انتفاضة آكري الشهيرة، شنت السلطات التركية و الفرنسية حملة قمع شديدة ضد أنصار رابطة المريدين الناشطة في منطقة الأكراد ضمن الحدود التركية والسورية (الخاضعة لفرنسا). فقامت القوات العسكرية و أجهزة البوليس التركية بمجازر جماعية وحشية بحق أعضاء رابطة المريدين و عائلاتهم منذ بداية انتشار قواعد الرابطة في المناطق الكردية خشية التحام هذه الحركة و انضمامها إلى انتفاضة آكري التي كان يقودها إحسان نوري باشا. بينما فضل الفرنسيون أن يقاتلوا المريدين بواسطة الزعماء العشائريين الكرد الموالين لفرنسا، و المدعومين عسكريا من قبلها.

قام المريديون في البداية، بتشكيل مجموعات صغيرة مسلحة للإغارة على القوات التركية و الفرنسية، و لمقاومة مرتزقة رؤساء العشائر، و فيما بعد، انضم إلى الحركة جمهور كبير من الفلاحين الأكراد الذين كانوا ينتمون إلى قبائل و عائلات متواضعة، أو الفارة من بطش زعمائها. (22)

أصبحت الحركة، بعد انتهاء خمس سنوات من عمرها، ذي قاعدة جماهيرية تؤهلها من مقاومة الفرنسيين و حلفائهم من زعماء العشائر.

هذا التطور الكبير في قوة الحركة، جعل الفرنسيين يضغطون على رموزهم المحليين، و يطالبونهم بإنهاء نفوذ المريديين في المنطقة، قبل انتشارها إلى مناطق أخرى. فقام زعماء العشائر باضطهاد شديد ضد كل فلاح يثبت تعاونه مع المريديين ، و طلبوا من رجال الدين التابعين لهم ، إصدار فتاوى تُدين المريديين و من يساندهم بالكفر و الإلحاد و الخروج على أولي الأمر.

تحت وطأة القمع و الاضطهاد الطبقي و السياسي، لجأ المريديون إلى أسلوب الاغتيالات ضد رموز السلطة و عملائها من الوجهاء المحليين. فكان للاغتيالات “السياسية” فوائد كثيرة للمريديين، إذ بعد اغتيال كل زعيم عشيرة، كانت السلطة تتفتت غالبا في العشيرة، و كانت تتفتح إمكانية أكبر لتحرر الفلاح من السلطة العشائرية و انضمامه إلى الحركة، ثم أن المريديين كانوا يثبتون إخلاصهم للفلاحين بشكل ملموس عندما كانوا يقتلون كل “زعيم” يسيء إلى فلاحيه و يتعامل مع الفرنسيين أو الأتراك، و قد أعطى هذا الأسلوب “أكبر النتائج فلم يعد بإمكان الآغوات قتل الفلاحين كما لو كانوا ثعالب تعتدي على الكروم. لقد انتهى جلد الفلاحين و لكن على مشهد خمسة قبور لخمسة آغوات مرصوفة جنبا إلى جنب غربي بلدة بلبل، كما لو كانت نصبا تاريخيا لثورة شعبية فلاحية ” (23).

شهدت المنطقة حربا أهلية فظيعة، قام فيها رجال الإقطاع بأعمال عدائية متطرفة ضد الجماهير الفلاحية الموالية للحركة، و اغتالوا عددا من قادة الحركة و أحرقوا بيوتهم، فكان رد الحركة سريعا، إذ استطاعت قيادة هذه الأخيرة أن تعبئ جمهور الفلاحين للقيام بانتفاضة شملت كل منطقة جبل الأكراد. فشعر الفرنسيون بأن زمام الأمور بدأ يفلت من أيديهم و أيدي عملائهم.

فتقدمت قوات عسكرية فرنسية في 1936 للسيطرة على الوضع من جديد على جبل الأكراد و جرت اشتباكات عنيفة بين هذه القوات من جهة و بين أنصار المريديين من جهة أخرى، أثبت خلالها قادة المريديين جدارة فائقة في إدارة العمليات العسكرية و الدفاع عن أرضهم، حيث أجبروا الفرنسيين على وقف زحفهم.

عرض الحاكم الفرنسي هدنة للتفاوض مع قادة المقاومة، فشكلت هذه الأخيرة و فدا مؤلفا من علي قنوط و الشيخ عربكو، فتفاوض الجانبان في وادي ميدانا، و اتضح من المفاوضات بأن الفرنسيين كانوا يحاولون إخماد المقاومة بأسلوب المكر و المراوغة و شراء الذمم، و لم يكن مبتغاهم من الهدنة و التفاوض سوى كسب الوقت و محاولة الشق بين صفوف المقاومة و فرض سيطرتهم من جديد، لكن ” رفض فيها الثوار الإذعان لشروط المحتلين، و فشلت المفاوضات، و دامت ثورة الأكراد في منطقة عفرين مدة خمسة عشر عاما سقط خلالها عدد كبير من الثوار”(24).

كانت سنتي 1938-1939 حاسمتين و ذات أهمية خاصة للمنطقة و لحركة المريديين، حيث ألحقت اسكندرون نهائيا بتركيا في 24 حزيران 1939 بموجب اتفاقية تركية-فرنسية، استنكرها الكرد و العرب بمختلف فيأتهم الدينية، و في هذا الظرف المحلي الملتهب رأى الترك و الفرنسيون ضرورة الاتفاق و التعاون في قمع حركة المريديين، و خاصة في المنطقة التي وقعت في يد الأتراك. أما في جنوب الحدود (في سورية)، استطاعت الحركة أن تستمر في نشاطها السياسي، و كحركة معارضة مسلحة، على الأقل حتى عام 1947، عندما استطاعت هذه الحركة تنفيذ حكم الموت بالنائب في البرلمان السوري، شيخو آغا (الكردي) و ذلك أمام البرلمان بالذات، عقابا له على ماضيه كمناصر وحليف للفرنسيين، و نشاطاته الموالية للحكومة السورية التي كانت تحميه و تحمي أمثاله، و تقوي نفوذهم و سيطرتهم على الفلاحين.

في الحقيقة، ساهمت أنشطة المريديين في تمهيد الساحة الكردية لتقبل و انتشار الفكر الديمقراطي-الاجتماعي. و فيما بعد سهلت انتشار الأفكار الشيوعية، و ساعدت على تطور الوعي القومي و الطبقي في المنطقة، حيث في عام 1962 تم تنسيق بين المريديين من جهة و منظمة الحزب الشيوعي السوري في جبل الأكراد من جهة ثانية، لخوض الانتخابات التشريعية (25).

الانتفاض لنصرة آكري

كانت جمعية خويبون الكردية التي تشكلت في لبنان عام1927(25 مكرر)، وتبنت إدارة انتفاضة الأكراد على جبال آرارات،التي كانت قد بدأت في عام 1926. و كانت هذه الجمعية السياسية تضم نخبة من المثقفين و الوجهاء الأكراد (في تركيا و سورية) . إذ كانت قد عينت الجنرال إحسان نوري باشا كقائد عسكري، وإبراهيم حسكي كقائد مدني،لإدارة العمليات في جبال آغري. رغم النجاحات العظيمة التي حققتها قيادة الثورة، استطاعت القوات التركية أن تقضي عليها بالحديد والنار. و عندما دخلت الثورة في ظرف حرج، اجتمعت الهيئة المركزية لجمعية خويبون في 10 حزيران 1930 ، ولتخفيف عبء الهجمات التركية على الثوار، قررت مهاجمة القوات التركية من الجنوب الشرقي، أي على الحدود مع سورية. وتم تحديد ستة جبهات وتم تعيين ليلة 3 /4 آب 1930 لبدء الهجوم وعلى ستة محاور، من الحدود العراقية وحتى جرابلس.

وبدأت المبادرة العسكرية الكردية في الليلة المحددة و على المحاور المحددة، و لكنها لم تستمر طويلاً و لم تتحقق إنجازات كبيرة، وليست لدينا معلومات كافية عن أسباب ذلك.

ففي منطقة كوبانه ( المنطقة الثانية) كان الأخوان بوزان بك شاهين ومصطفى بك شاهين، المكلفان بالهجوم ، لم يتقدما كثيرا بعد أن تمكنت قواتهما من تدمير مركز للشرطة التركية في سروج.

و في المنطقة الرابعة، منطقة سريكانيه ( رأس العين) تم تعيين محمود بك ابراهيم باشا المللي كقائد للمنطقة، لكنه لم يتحرك كما كان متفقا عليه.

في جبهة الدرباسية، انطلقت قوة بقيادة أكرم جميل باشا، ومعه قدري بك جميل باشا، انطلقت ووصلت حتى 6 كيلو مترات من ماردين إلا أن زعماء العشائر لم توف بوعودها، ولم يتحقق أي إنجاز يستحق الذكر.

أما حاجو آغا زعيم عشيرة هفيركان الكردية، و معه جلادت بدرخان، فقد اخترق الحدود “و احتل في 5 آب 1930 قرية صغيرة في منطقة نصيبين و نشر فيها بيانا طالب فيه بالاستقلال الكردي مناشدا الأكراد الانتفاض من أجل مساندة أبناء قومهم المكافحين على قمم آرارات” (26).

استطاع أنصار و مقاتلو حاجو قهر القوات التركية المتعسكرة في نصيبين، و أغارت إحدى مفارز الأنصار بقيادة عليكي بطي (الهفيركي) و شمعوني حني حيدو (مسيحي كردي)، أغارت على مديات حيث جرت معركة دامية بينها و بين الكتيبة العسكرية المتركزة في الثكنة، استشهد عدد من الأنصار، إلاّ أن المفرزة استطاعت احتلال سجن مديات المحصن، رغم قربه من الثكنة، وتم تحرير كافة السجناء و كان جميعهم من الأكراد (27).

رغم انضمام بعض العشائر و القبائل الكردية إلى جانب حاجو، فلم يستطع هذا الأخير الصمود بوجه الإمدادات العسكرية التركية الكثيفة، و خاصة التشكيلات الميكانيكية منها، فاضطر حاجو إلى التراجع نحو الجنوب (القامشلي) بعد أن سطّر صفحة تاريخية جديدة في الانتماء الكردستاني، و وحدة حركة الشعب الكردي رغم الحدود الاستعمارية المفروضة عليه.

انتفاضة سعيد آغا الدقوري

كان الفلاحون الأكراد في الجزيرة، يعانون من انخفاض شديد في أسعار محاصيلهم الزراعية، كما كانوا يعانون أيضا من جشع المرابين الذين كانوا يستغلونهم، معتمدين في ذلك على دعم و تأييد السلطات الفرنسية.

كانت السلطات الفرنسية و التركية، و منذ منتصف الثلاثينات، تشدد من إجراءات مراقبة الحدود و تمنع التنقل عبرها، و هذا ما كان يثير سخط كل الأكراد، حيث أن الحدود قد قسمت العشائر الكردية و فتت بذلك القبائل و العائلات الكردية، و في نفس الفترة، كانت السلطات الفرنسية تريد تقريب وجهاء الأكراد و توحيدهم لتتمكن من تسخيرهم لمصلحتها و عندما فشل الفرنسيون في ذلك، لجئوا إلى تشديد الإجراءات القمعية في مناطق العشائر التي لم تقبل التعاون مع الفرنسيين بغية إخضاعها و السيطرة عليها.

كانت عشيرة كابارة الكردية، المتمركزة في عامودا، ذات نفوذ ضعيف نسبيا، ففضلت التحالف مع قبائل من عشيرة الدقوري التي كانت تتمركز في بلدة عامودا و تنتشر حتى شمال الحدود. كان هذا التحالف يهدف بشكل أساسي إلى تقوية النفوذ العشائري للدقوريين و الكاباريين، هذا النفوذ الذي كان قد تزعزع شرقا من قبل الميرسنييين وغرباً من قبل الملّيين.

في عام 1936، تشدد الفرنسيون في مطالبة فلاحي منطقة عامودا بالضرائب، و أصبح المستشار الفرنسي يصر على أن يتم فض المنازعات عن طريق المحاكم و ليس عن طريق زعماء العشائر المحليين أو مرشحيهم كما كان الأمر فيما مضى.

اتفق زعيم الكاباريين شيخموس هسو، مع زعيم الدقوريين سعيد آغا الدقوري للتمرد على آوامر الفرنسيين، و الانتفاض ضدهم. فتم تعبئة الجماهير و تسليحها بعد تشكيل مجلس ” عشائري عسكري” بقيادة سعيد آغا.

ما أن جاء صيف عام 1937، وبدأ جني المحاصيل الزراعية، حتى أن كثفت السلطات المحلية في عامودا من جباة الضرائب من ناحية، و فرضت الحراسة و الحجز الاحتياطي لصالح المرابيين، على غلة أغلب الفلاحين من ناحية ثانية. فقرر سعيد آغا استثمار ردة فعل الفلاحين ضد هذه الإجراءات، فأبلغ رؤساء العشائر و القبائل التي كانت قد قبل الانتفاض ضد الفرنسيين بضرورة عدم دفع أية ضريبة للجباة، و طرد ممثلي السلطة من المنطقة بكاملها.

تم تشكيل وحدات فلاحية مسلحة في كل قرية مهمتها حراسة القرية و الدفاع عنها، كما تم تشكيل وحدات متحركة أكبر من وحدات القرى، لتنفيذ المهام الصدامية في كل المنطقة، و كلما طلب منها المجلس (العشائري) الذي كان يرأسه سعيد آغا.

خلال النصف الأول من شهر حزيران، استطاعت قيادة سعيد آغا طرد كل ممثلي الدولة من منطقة عامودا،فكلف المستشار العسكري الفرنسي في القامشلي الفصيلة العسكرية بالقضاء على الانتفاضة، و إلقاء القبض على زعماء عشائر المنطقة. و كان هذا المستشار يأمل المساعدة من عشيرة الميرسني، لكن رئيس هذه العشيرة عبدي خلو، و ان كان يساوم الفرنسيين، فكان ذلك بدافع قومي، و هذا الدافع بالذات كان يمنعه من مساندة الفرنسيين ضد الأكراد المنتفضين في منطقة عامودا.

استطاعت الفصيلة العسكرية الاستيلاء على مركز بلدة عامودا، بعد أن خسرت بعض عناصرها في الاشتباكات التي دارت على مشارف البلدة. لكن تمكن الأكراد محاصرة كل عناصر الفصيلة بعد قطع طريق الإمدادات المحتملة (طريق قامشلي-عامودا). و أغارت مجموعات اقتحامية على القوات الفرنسية المحاصرة في البلدة، و قتلت و غنمت منها ما استطاعت.

التحقت بالمقاومة قوات كردية قدمت من الشمال عبر الحدود في منطقة الكمالية و الكوبانية (خانكة) و جوهرية و بذلك تمكن الأكراد من الاستيلاء على ما تبقى من القوة الفرنسية في عامودا.

كان المستشار الفرنسي في القامشلي يتابع إرسال وحدات مسلحة من الخيالة، للإغارة على عامودا و قراها، لكي يشعر السكان بأن عامودا لا زالت تحت الانتداب، و ليست مستقلة. لكن “ألحقت قوات سعيد آغا الهزيمة بالقوات الفرنسية” (28) في المنطقة. واضطر المستشار الفرنسي أن يطلب تعزيزات عسكرية من المفوض السامي الذي كان يقيم في بيروت، فأرسل هذا الأخير “طائرات لإخماد الانتفاضة في عامودا و منطقة القامشلي، حيث قصفت بوحشية، مما أدى الى قتل عدد كبير من سكانها و جرح المئات” (29) و تم تدمير قرى بكاملها.

فضّل سعيد آغا التخلي عن قيادة الانتفاضة، و أبلغ بقية الزعماء المتحالفين معه بضرورة وقف العمليات العسكرية و حل التشكيلات الكردية المسلحة، خشية استمرار الفرنسيين في تنفيذ المجازر الجماعية. التجأ سعيد آغا إلى جبل سنجار، في حين امتدت الانتفاضة غربا، لكن بشكل أضعف، حتى سري كانية (رأس العين)، حيث قتل الجاجان المستشار الفرنسي في قرية السفح.

خامساً:سـنوات المخـاض

يتضمن هذا المبحث فقرتين، تخصص الأولى منها لبيان عدم اتفاق وجهاء الأكراد على مستقبل كردستان الخاضعة للانتداب الفرنسي، في حين تخصص الفقرة الثانية منهما لتطور الفكر السياسي في سورية و موقف الأكراد منه.

الشقاق الكردي

يبدو بأنه لم يكن للسلطات الفرنسية سياسة محددة تجاه الشعب الكردي الخاضع لانتدابها، هذا الشعب المنقسم إلى أديان عديدة و إلى عشائر و قبائل، و رفض بعض وجهائه التعامل مع الفرنسيين. ففي أواخر 1939، ذهب زعيم عشيرة الميرسني عبدي خلو وبتكليف من المستشار الفرنسي، و رئيس الاستخبارات العسكرية، يطلب من قدري جميل باشا الملي في قرية تعلكي الواقعة في غرب الدرباسية، أن يتعاون مع الفرنسيين ” فكان قدري قد أجابه أنني ابن شعب مظلوم، و هارب من ظلم الحكام الأتراك، و أعرف الاضطهاد الاستعماري ضد الشعوب، فكيف أسمح لنفسي بأن أتعاون مع حكومة أجنبية تحتل البلاد” (31)، فتعرض سكان تعلكي و خاصة قدري بك و أنصاره للاعتقالات و النفي. و هكذا يتبين لنا بأنه لم يكن يوجد اتفاق حول الاستقلال بين الأوساط العشائرية و الريفية الكردية.

التفت الفرنسيون نحو المثقفين الأكراد، الذين لم يكن قد شكلوا بعد سوى مجموعة (نخبوية)، يتزعمها بشكل أساسي الأخوين جلادت و كامران بدرخان بك، و هذان الأخيران لم يكونا مقيمين في المناطق الكردية، بل في دمشق و بيروت. و إذا كانت العائلة البدرخانية قد استطاعت في الماضي استنهاض الفلاحين و قيادتهم ضد السلطات التركية، فإنها (أي العائلة البدرخانية) لم تستطع سوى تنشيط الحركة الثقافية بين الأكراد الخاضعين للانتداب الفرنسي، و المساهمة في نشر الوعي القومي عند الأكراد. و قد يكون ذلك بسبب عدم تمتع البدرخانيين بمراكز اقتصادية-اجتماعية قوية في المناطق الكردية في سورية، و يبدو أن العشيرة التي تنتمي اليها هذه العائلة، أي الآزيزان، كانت تتزعمها قبيلة أخرى و هي آل حاج درويش.

إذاً كانت أنشطة البدرخانيين تعتمد بالدرجة الأولى على مساعدات بعض المثقفين الأكراد و بعض وجهاء الأكراد و الأرمن و السلطات الفرنسية و الإنكليزية (32).

كانت مصلحة الحلفاء تقتضي تعبئة الأكراد لصالحهم أثناء الحرب العالمية الثانية، و ذلك بواسطة نشر الأخبار و الدعايات بين الأكراد باللغة الكردية و اللغة الفرنسية. و يبدو بأن البدرخانيين و رفاقهم استطاعوا إلى حد ما تحقيق هذا الغرض (33) للحلفاء، ودون أن يكون ذلك على حساب المصلحة القومية.

ان تحسن العلاقات بين بعض الأكراد و الفرنسيين، وتسرب أنباء نهوض الحركة الوطنية الكردية في كردستان الشرقية و الجنوبية (عراق-ايران)، ساهم في غيظ شيوخ العشائر العربية، و خاصة و أن أغلب هؤلاء الشيوخ، بعد أن كانوا أنصاراً لفرنسا في بداية الاحتلال الفرنسي للجزيرة، مالوا إلى التحالف مع السلطات الهاشمية في العراق المعروفة بارتباطها التاريخي مع السلطات الانكليزية والتي كانت تطالب بضم سورية إلى عرش العراق أو تنصيب أحد أبناء الحسين ملكاً على سورية. هذا الاتجاه الأخير لأغلب العشائر العربية التي كانت تتواجد في جنوب الجزيرة أو تلك التي كانت قد تمكنت من التغلغل داخل الجزيرة تحت مظلة القوات الفرنسية، ساهم في ازدياد حدة التوتر في المنطقة الكردية .

مواقف الأكراد خارج كردستان

ارتبط التطور السياسي عند الأكراد خارج كردستان بتطور الفكر السياسي في كردستان من جهة، و بتطور الفكر السياسي في الساحة السورية من جهة أخرى. أثناء الانتداب الفرنسي على سورية شهدت سورية ثلاثة تيارات سياسية أساسية: الشيوعية و القومية و الدينية.

أولاً: التيار الشيوعي:

تم تأسيس الحزب الشيوعي السوري (و اللبناني) في عام 1924. و في شباط 1928 تشكلت منظمة دمشق لهذا الحزب، و انضم اليها خالد بكداش في عام 1930 عن طريق كردي أخر هو فوزي الزعيم ابن أخ أحد الرؤساء السوريين حسني الزعيم.

انتشر هذا الحزب بسرعة فائقة بين السكان غير العرب و غير المسلمين. و في بداية 1931 كان الأعضاء الجدد لهذا الحزب يأتون “بشكل أساسي من حي الأكراد” (34) في دمشق.

في حماه أيضا، كان الأكراد يشاركون بشكل فعّال في قيادة منظمة الحزب في مابين الحربين، و برزت أسماء الكثيرين منهم في الحياة السياسة في حماه مثل محمد العلي و غيره (35).

ثانياً: التيار القومي العربي.

نشط التيار القومي العربي في فترة مابين الحربين، وبعد أن كان الشعور القومي العربي قد نشط و انتعش قبيل و أثناء الحرب الأولى بمساندة الحلفاء، تحول هذا الشعور القومي بشكل عام إلى إيديولوجية النخبة العربية ضد الحلفاء. و مع مجيء الفاشية و النازية في أوروبة، وجدت فكرة العرق تربة خصبة لها بين القوميين العرب، و استخدموها من أجل تعبئة (العربوفون) الناطقين بالعربية ضد الحلفاء الذين كانوا قد دخلوا بدورهم الحرب ضد الفاشية و النازية.

و هكذا ولدت وانتعشت تنظيمات قومية عرقية بين المثقفين العرب في سورية. و من هذه التنظيمات القومية التي لعبت دورا هاما في الحياة السياسية السورية.

1-عصبة العمل القومي:

و هي حركة انطلقت من فكرة القومية العربية، و أكثر عناصرها كانوا من فئة المتعلمين من أبناء برجوازية المدن الصاعدة، و كانت تستخدم شعار استقلال سورية من أجل تعبئة ناخبيها في الانتخابات التي كانت تخوضها أثناء الانتداب، و هذه الحركة هي أكثر التنظيمات السياسية السورية في الثلاثينات قربا إلى مفهوم الحزب السياسي (36).

2-الكتلة الوطنية:

و هي تكتل سياسي يجسد تحالفا بين بعض كبار الملاكين العقاريين و كبار البرجوازية التجارية في المدن السورية، و لم يكن لهذا التكتل السياسي بنيان تنظيمي ثابت.

كان يشكل تحالف عصبة العمل القومي مع الكتلة الوطنية ضغطا فعليا على سلطات الاحتلال الفرنسي، اذ حقق هذا التحالف تنازلات حقيقية من قبل فرنسا، و ذلك بمنحها لسورية حكما ذاتيا بصيغة دولة مستقلة في عام 1936 (37) لكن هذا المكسب الذي حققه “الاستقلاليون” لم يدم طويلا لأسباب عديدة منها تناحر القوى الاستقلالية و مساومتها مع المستعمر، و عدم قدرتها على مواجهة مسألة اسكندر ون، و سقط الاستقلال السوري المحدود في عام 1938.

3-الحزب القومي السوري:

قام هذا التنظيم على فكرة تشكيل سوريا الكبرى، و كان أغلب قادة هذا التنظيم في سوريا من المسيحيين، و يعتبر حزب البعث العربي الاشتراكي هذا ” كإيديولوجية و كتنظيم و كاتجاه سياسي، صدى للنازية و الفاشية اللتين بدأتا صعودهما في ألمانيا و ايطاليا في تلك الفترة (38).

كانت هذه التنظيمات الثلاثة تعلق آمال كبيرة على قوة ألمانيا المتعاظمة، و مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، كانت تراهن على هزيمة فرنسية محتملة من أجل استقلال سوريا.

4- حركة البعث العربي:

تميزت حركة البعث بعض الشيء عن التنظيمات الثلاثة السابقة، فقامت هذه الحركة على فكرة بعث القومية العربية و المغالاة في مكانتها، وبهدف كسب الفلاحين إلى جانب الحركة، تم تبني بعض الأفكار الاجتماعية الإصلاحية، و بذلك كان نموذجاً مستورداً لـ “الحزب الاشتراكي القومي” النازي، كان قد نقلها مؤسسو البعث الأوائل: زكي الأرسوزي و صلاح الدين بيطار و ميشيل عفلق الذين كانوا قد أنهوا دراستهم في فرنسا، و كانوا قد خضعوا فيها لـ “تأثير الفلسفة الألمانية القومية و الفكر المثالي” (39). صدر أول بيان لحركة البعث في 24 تموز 1943، وجاء فيه:

-” نمثل الروح العربية ضد الشيوعية المادية.

- نمثل التاريخ العربي الحي ضد الرجعية الميتة و التقدم المصطنع.

- نمثل القومية العربية التامة المعبرة عن حاصل الشخصية.

- ضد القومية اللفظية التي لا تتعدى اللسان و يناقضها مجموع السلوك.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الدراسات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر