العائلة الكردية في المهجر -د.محمد زينو
كتبهاالحقيقة والحوار ، في 18 تموز 2007 الساعة: 13:27 م
لا احد يعلم تاريخ الهجرة الكردية من كردستان وتوزع الكرد على الشتات والفيافي في الشرق الاوسط ومن ثم في اوربا. انه لامر محزن حقا ان لا يعرف المثقف والمهتم بالشان العام الكردي ما حل بابناء قومه من حملات التهجير ناهيك عن عدد المهجرين واماكن تمركزهم. من اكبر الكبائر ان يتم تهجير قوم من سكنه وخلعه من تربته وابعاده عن مالوف حياته وضرب جذور عادته وتقاليده. هناك بصيص ضوء على تهجير الكرد من شرق كردستان باتجاه اراضي روسيا القيصرية بعد خسارة الكرد معركة قلعة دمدم الشهيرة ضد جيش الشاه عباس الصفوي. تمركز هؤلاء المهاجرون في بعض مقاطعات ازربيجان ومن ثم تشكل مقاطعة صغيرة ذات حكم ذاتي للكرد هناك ابان العهد السوفياتي الاول، الا انها لم تدم طويلا حيث تم القضاء عليها اثناء العهد الستاليني وهجر الكرد من تلك المناطق باتجاه اسيا الوسطى. واصبحت اراضي تلك المقاطعة الكردية والمعروفة بكردستان الحمراء مصدر صراع دموي بين ازربيجان وارمينيا بعد الانهيار المدوي لاتحاد السوفياتي وهجر من تبقى من الكرد تلك الاراضي باتجاه العمق الروسي البارد وهم اليوم موزعون بين مقاطعة كراسندار وياروسلافل ومدينة موسكو وكييف ونيقولايف في اوكراينا وهؤلاء المهاجرون يعيشون اوضاعا ماساوية ومزرية لا احد يهتم بهم ، انهم ا مام الضياع والانحلال داخل المجتمعات المحيطة بهم. ويدور الزمن دورته وياتي فصل آخر اكثر مأساوية من التهجير على يد قطاعات الجيش التركي بعد قيام الجمهورية التركية وخاصة بعد فشل ثورة الشيخ سعيد عام 1925 تبدأ الهجرة هذه المرة باتجاه الغرب التركي المجهول رافقتها سياسة القمع والقتل لكل ما هو كردي من لسان وشعور ولباس. ولم تمر فترة على النكوس بمواد اتفاقية 21 آذار 1970 بين قيادة الثورة الكردية والحكومة العراقية حتى بدأ الفصل الاكثر ماساوية من التاريخ الكردي من كردستان العراق هذه المرة باتحاه الصحراء المقفر والخالي، والتي ختمت باستعمال السلاح الكيماوي في مدينة حلبجة الشهيدة. من المظاهر الجلية في تاريخ هذه الهجرة ان الكرد قد اهتموا بها ووثقوها واعتنوا بتلك الوثائق والتي اصبحت دلائل قاطعة لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الكرد من اقطاب النظام العراقي السابق. ومنذ اواسط الستينات وحتى نهاية القرن الماضي وقف المجتمع الكردي امام ظاهرة لم تكن مالوفة سابقا لدى الكرد وهي الهجرة الواسعة النطاق من كردستان باتجاه البلدان الاوربية وامريكا الشمالية واستراليا. حيث استقر الاف مؤلفة من العائلات الكردية في هذه الدول وخاصة الاوربية الغربية منها، ونحن اليوم نرى ولادة مجتمع كردي جديد يختلف عن ما هو في كردستان، مجتمع له من العادات ونمط التفكير واسلوب التعامل والحياة يختلف عن ما الفه الكردي في كردستان. نحن اليوم نرى مئات الكرد في فنلندة والسويد والنروج والدانمارك والمانيا وفرنسا وهولاندة وايطاليا وبلجيكا والنمسا وسويسرة وروسيا وبحكم القوانين المتاحة في هذه البلدان حصل معظم الكرد على الجنسيات الاوربية وبذالك اصبح ابواب العالم مفتوحة امام الكرد يسافرون من دولة الى اخرى دون عائق يذكر. قلنا نحن اليوم امام تكوين مجتمع كردي جديد، مجتمع تشوبه قيم وتقاليد موروثة من كردستان واخرى تتشكل هنا في هذه البلدان نظرا لولادة جيل جديد من بني الكرد الذين لم يروا كردستان ارضا معاشا وبيتا بل يراها نقطة سياحية مؤقتة يدوم السفر اليها اسبوعان او اكثر ثم يرجع الكردي الى بلده الاوربي آمنا ومسالما. و يجري صراع عميق بين الكردي الآتي من كردستان وبين الكردي المولود في اوربا، صراع بين الموروث الكردي الذي يستند الى اساسه القروي وبين ما يكسبه وما يحيط به في المراكز الاوربية الضخمة. العائلة الكردية في المهجر من المعلوم ان المجتمع الكردي مجتمع قروي اساسه الزراعة وتربية الماشية وبذلك يكون الاعتماد على الذات والسماء هو بنيان العمل الكردي. المجتمع القروي ضيق المجال قليل الحيوية والنشاط، مجتمع له من الصفات والمواصفات تتميز بكثرة الوقت وبالتالي يتمتع فرده هناك بالمجالس الليلية الطويلة وهو يستمع الى قصص البطولات والمغامرات الخيالية دون ان يبدي ضجره لا بل يذهب القروي الى فراشه وهو يتمتع بخيال ما سمعه في المجلس. يتميز هذا المجتمع بقوة صلة الوصل بين افراد المجتمع ذاته من التعاون بالعمل والفرح والترح وبذلك يكون السيطرة على حركة الفرد والعائلة متاحا وقويا ما يؤدي الى تمسكها البنيوي والحيلولة دون تفككها والابتعاد عن سمعة السنة السوء كشرط اساسي من مستلزمات البقاء بين الجماعة ومتابعة الحياة هادئا مطمئنا. واذا ما حدث خلل ما في هذه الميزة ، اي اذا ما لطخ سمعة الفرد والعائلة بفعل سوء من لدن احدى نساءها او رجالها فيضيق مجال الحركة للعائلة المعنية ويؤشر لها بالاصبع ويصبح الحدث موضوع المجالس واللقاءات ، لذلك يحرص القروي شديد الحرص على نظافة سمعة العائلة والحيلولة دون وقوع السئ من الامور والقضاء على بوادر حدوث مثل هذه الاشياء الممنوعة ومعالجتها بسرعة . يضحي القروي بكل شيئ في سبيل نظافة سمعة العائلة ، بامكان القروي ان يحيا فقيرا ومعدوما ومحروما من لقمة العيش ، بامكانه ان يحيا مديونا لغيره، بامكانه ان يحيا وهو يعمل الليل الدامس والنهار الحارق عارضا ظهره لبرد الليل وحر النهار غير ابه بصحته ووقته، وهو لا يبدي ضجره من سوء ظروف حياته ومعيشته. لكنه يزمجر ويقسو ويلوي عنق غيره طالما يدور الحديث بسوء عن احد افراد عائلته، ان سمعة العائلة هي اقدس المقدسات لايجوز التفريط بها والاقلال من اهميتها، ونحن ابناء هذا المجتمع قد سمعنا وشاهدنا كم من فتاة وامرأة ورجل قتل جراء اللمس بسمعة العائلة و كم جار لا يكلم جاره جراء نظرة خبيثة او كلمة غير محمودة من احدهم تجاه الآخر، واكاد اجزم انه لم تفلت قرية كردية واحدة من هذه القصص المروعة. المجتمع القروي مجتمع ضيق شديد التذمر وثقيل الرد وهو يفتقر الى الديناميكية ، الى الحركة الضرورية للتقدم لحدوث تغيير في البنية الفكرية والاجتماعية للحياة في القرية. ان الانسان يحصل على المعلومات من وسطه الاجتماعي، هذا الوسط الاجتماعي يحدد اخلاقيات وتصرفات ومعاملة الافراد ببعضهم ، ان الاخلاق وما شابه ذلك هو نتاج الوسط الاجتماعي المحيط بالفرد وعليه تتغير الاخلاقيات وتصرفات الناس من منطقة الى اخرى ومن بلد الى آخر. هناك مثل غربي يقول كيف تعيش هكذا تفكر ، ان الوسط الاجتماعي والحالة المعيشية تحددان بشكل كبير مسار تفكير العامة من الناس وبالتالي تصرفاتهم واخلاقياتهم. ومع مرور الايام تصبح هذه التصرفات امورا معتادة وليس من السهل تغييرها ، وتصبح علاقات الناس بمثابة حقائق ليس من السهل تجاوزها ، وهي تتغير ليس فقط من منطقة الى اخرى بل تتغير من شخص الى آخر. بالنسبة للشخص الثري والغني الذي يستطيع باشارة من اصبعه الحصول على مرامه تبقى حقيقة ومغزى الحياة لديه المزيد من لذيذ الطعام والترف والسماع الى رنين النهود والنقود في حفلات المجون واللهو. اما بالنسبة للفقير المعدوم الذي يفترش الارض ويطبخ الماء تبقى الحياة وما فيها لقمة خبز وتحميل البطن الفارغ. ان ما تعتبره الناس هنا امورا معتادة وتصرفات محمود ة قد تصبح في منطقة اخرى امورا شنيعة وتصرفا لا انسانيا. ففي كردستان وغيرها من المجتمعات المحيطة تعتبر من فضائل الامور الحفاظ على عفة المرأة وجميل سمعتها ان تبقى عزراء قبل زواجها وخلاف ذلك يكون مصيرها الموت المحتوم بخنجر مسموم او مسدس خارق للقلب. بينما نرى هنا في المجتمعات الغربية هذا التصرف غير محبذ من فتاة بالغة ليس لها صديق تعيش معه قبل الزواج، ان الام تلوم ابنتها لبقاءها وحيدة دون صديق، من الامور المحزنة ومن دواعي الشجون ان يبقى شاب بالغ دون حبيبة يحتضنها ويقضي ساعة فراغ بجانبها. ان المرأة او الرجل في المجتمعات الغربية لا ير من المعاشرة الجنسية قبل الزواج ما هو مخالف لما الفه في وسطه الاجتماعي ، وهذا ا لوسط لا يعاتب احدا ما جراء تصرفه ذاك و كلا الطرفان يعتبران تصرفهما امرا معتادة لا يخالف مألوف الحياة ، بينما يطيح مثل هذه العلاقة بعائلات كاملة في مناطق اخرى من هذا الكون. العائلة الكردية في المهجر و الانسان في هذه الحالة غير مخير ، وهو لا يستطيع ان يختار لنفسه قوانين وعادات وتقاليد مخالفة لما الفه وسطه الاجتماعي، او على اقل تقدير لا يحبذها الناس من حوله ، ولا نبالغ ان قلنا ان هذا الوسط سيتهم ذاك المخالف انه مجنون والعياذ بالله. احدنا يرى في شوارع المدن الاوربية فتاة وشاب يتبادلان القبلات الدافئة في باصات النقل الداخلي او في الاماكن العامة دون ان يشعران بالخجل ، فلنتصور ذات المشهد في احدى شوارع مدننا في الشرق، ان القارئ الكريم يتصور مصير الفتاة والشاب، انهما سيلتقيان حتما في القبر غير مأسوف عليهما، وما الذي تغير بين ذات المشهدين ، الفتاة والشاب في الغرب يتابعان حياتهما بهدوء بعد القبلات بينما يرسل الشاب والفتاة الشرقين الى القبر ومصيرهم جهنم وبئس المصير. ان الذي تغير هو نظرة المجتمع الى هذه الظاهرة. انه لمعلوم ان العادات والتقاليد كنتاج المجتمع في تطور وتغير مستمر ، انها كأي ظاهرة اجتماعية لا تعرف مبدأ السكون والثبات، فكل طور اجتماعي يجلب عاداته وتقاليده معه، والجديد القادم يحل مكان ما كان مألوفا في الطور السابق ، وعملية التغيير ملتزمة بمدى سرعة التغييرات الطارئة والجارية في المجتمع، ان المجتمعات المنفتحة على غيرها وتمارس الاحتكاك المستمر قابلة للتغير اكثر من المجتمعات النائية والمنغلقة على نفسها ، ان الفئة الاولى تتعرض للصراع بين المألوف من التصرفات وبين ما هو جديد قادم مع الانفتاح على الغريب، هنا نرى حدة الاحتدام بين ما هو مألوف لدى الآباء وما يقوم به الأبناء، والاباء يتذمرون من رؤية تصرفات ابناءهم. قال علي بن ابي طالب > ر.ض. لا تعلموا اولادكم اخلاقكم انهم ولدوا لزمان غير زمانكم. انه قول رائع فيما اذا التزمنا به. ولكن المشكلة ان الناس لا تحبذ كثيرا ترك عاداتهم وتقاليدهم هذا بسهولة او بمجرد ترك مجتمعهم، انهم يأخذون عاداتهم حيثما ولوا وجههم، من شب على شئ شاب عليه، يلتزم به فترة طويلة لا يبارحه هكذا بسهولة، ان تغير نمط المعيشة والعمل والوسط الاجتماعي ينخر رويدا رويدا في جسد عاداتنا ونحن نتغير دون معرفة منا و لكن ببطء شديد، ومن يحاول ان يقف امام هذه العملية التغييرية الجارية انما يناطح الهواء وهو يخوض معركة خاسرة سلفا، من يحاول ان يجبر اولاده على نمط حياة جده على انه ارقى والذ واصفى انما يقود معركة خاسرة غير ماسوف على خسارته. لكنه صراع على كل حال ، فالاب يحاول تلقين ابنه ما كسبه هو من محيطه ويعتبره الاكثر رونقا وفائدة فما اذا التزم به الابن، ونراه يتزمر ويزمجر اذا خرج الابن قليلا عن جادة تعاليمه، لايلتزم با يوعظ به اباه من مواعظ زمانه ، ولسان حال الابن يقول ….يا ابي انك على حق فيما توعظني ولكن خفف من وطأة مواعظك فأنا لدي مجتمعي يختلف عما تربيت انت عليه، انك اتيت من عالم يختلف عن عالمي …الخ. والابن محق على اي حال. ونحن نتابع حيثييات هذا النقاش بين الاباء والابناء هنا بين الكرد في البلدان الاوربية بشكل مستمر، اننا نتابع ونشاهد مدى حدة الصراع ذاك داخل كل عائلة كردية ، كم من كردي يقول والحسرة تعصر قلبه …. ليتني ما اتيت الى هذه البلاد، وكم من شاب كردي هرب من منزل والده جراء هذا الصراع، وكم من فتاة كردية اخذت بجدائل شعرها عنوة لتزويجها من من لاترغب هي به، كم من فتاة كردية اصبحت هدفا لرصاص جراء رفضها مواعظ والدها، وكم من فتاة وشاب هرب من حدة مراقبة الوالد وهو او هي يلتجان الى المنظمات الاوربية لحماية الاحداث . ان منافع الهجرة الكردية الى البلدان الاوربية كثيرة ، من حيث التعرف المباشر على التكنولوجيا وانجازات العلم وكذلك فتح المجال واسعا امام الطفل الكردي ليصبح كادرا علميا لكردستان ، خرج الكردي اخيرا من الحيز الضيق من مجال جغرافيته الكردية وهو يجوب العالم ، وتحسن كثيرا الوضع الاقتصادي لعشرات العائلات الكردية، ان الكرد اصبح عامل ضغط كبير الشأن دفاعا عن القضية الكردية من حيث سرعة الوصول الى مراكز القرار الاوربي، بالاضافة الى تمتع الكرد نكهة الديمقراطية والحرية المتوفرة في هذه البلدان، ولكن لهذه الهجرة مساوئها من حيث تارجح العلاقات الاجتماعية وزيادة حدوث الشرخ بين ابناء العائلة الكردية في المهجر، ان الحضارة الغربية تهاجم العالم كله، ونحن مجبرون على تعاطي الجيد والسيئ في هذه الحضارة، نحن لانستطيع ان ناخذ الجيد منها و نترك السيئ لاصحابها ، نحن لسنا في سوق الخضرة كي نختار. العائلة الكردية في المهجر > د.محمد زينو ان الانسان الكردي عمل وكدح عمره في سبيل اخضاع طبيعة كردستان واصلاحها لتكون ملائمة لظروف الحياة ، لم يدخر جهدا ولم يبدي ضجرا في سبيل اعالة اهله، والناظر الى طبيعة كل قرية كردية يفهم المرء مدى الجهد الذي بذله الكردي في سبيل تسخير موارد وتضاريس الطبيعة الكردستانية وجعلها اكثر ملائمة لحياة الانسان. وبالرغم تعرض حياته لجملة تغييرات جوهرية منذ الخمسينات القرن الماضي عندما بدأت الالة الزراعية تدخل ضمن ملاك ولوازم العمل والهجرة الكثيفة الى المدن، سواء أكانت مدنا كردية او حواضر المجتمعات المجاورة الا انه لم يحدث تغير جوهري في نمط حياة الانسان الكردي. قلما تختلف المدن الكردية عن القرية الكردية، فهي وبحكم الاجراءات المتبعة من جانب الحكومات المسيطرة ، محرومة من الانشاءات الضخمة وهي محرومة من المصانع والمؤسسات الكبيرة ويمكننا تسمية المدن الكردية بقرية كبيرة ، فالانسان هنا مازال يعتمد بمعيشته على ما تضخه القرية الصغيرة اليه، اي قلما اعتمد الكردي في المدينة على التجارة او الوظيفة او سواه ، ولذى بقي الارتباط بالقرية وثيقا والحالة هذه لم تتشكل نمط جديد من العلاقات الاجتماعية، ان المجتمع الكردي يفتقد الى ثقافة المدينة وهو يفتقد الى التفكير المديني الذي يعتمد اساسا الى تفعيل الرأس بدلا من قوة العضلات، الى تشغيل الفكر لكي يعيش بدلا من تشغيل الجسم ، من هنا نفهم على سبيل المثال ضعف الكردي تجاريا، بكل ما تعني التجارة من فن المراوغة والخداع والدعاية لبيع منتوج ما. اما الحشودات الكردية الملاصقة باطراف المدن الكبيرة للمجتمعات المجاورة ، فهي تعتبر قوة عاملة سوداء تعمل لصالح الاوساط الجشعة لتلك المجتمعات. وبحكم الانتماء الى ذات العلاقات الاجتماعية وينظر بذات المنظار الى مسائل التربية والعائلة ويتحكم بمصير الافراد بذات المقدار، ويدين بذات الدين ، قلما اختلف المجتمع الكردي عن الجيران، هذا الوجود الكردي لم يؤسس بعد منظومة الثقافة المدينية. ان اكثر ما يخشاه الكردي ويحاول تجنبه هو الذهاب يوما ما وبشأن ما الى احدى دوائر الدولة، تلك الدوائر التي تذكر الكردي بقوة وعنفوان الدولة وهي رمز العنف والظلم والجور الواقع على عاتق الكردي. كما لم يعرف الانسان الكردي سواء في قريته او مدينته او في مدن المجتمعات المجاورة كلمة تسمى … العاطل عن العمل او الحصول على المساعدة من مؤسسات الاعانة الاجتماعية. فهو في عمل مستمر لا يعرف الاستراحة. واول ما يصادفه الكردي هنا في اول محطة له في اوربة هو بقاءه دون عمل والوقوف امام دوائر الاعانة الاجتماعية . انها مأساة تضرب الصميم، ان الانسان الذي كدح حياته وهو يعيش من عرق جبينه لا يستطيع ان يستوعب مباشرة تحوله المفاجئ من عا مل كادح الى سائل سبيل امام الدوائر الاوربية. والفئة الاكثر تعرضا الى نتائج البطالة هي فئة الوافدين الى الدول الاوربية وخاصة تلك التي لا تمتهن مهنة ما قد يجد المرء مكانا لها يعمل بموجبها هنا. وتحت ضغط الجهات الحكومية يضطر الكردي الى مزاولة اي عمل للتخلص من تبعات العاطل عن العمل، وكما هو معلوم يزاول الكردي وامثاله اعمال رخيصة لا يلزم المرء القيام بها جهدا ذهنيا، مثل العمل في مطاعم الوجبات السريعة او سائق الحافلات او الخياطة او تصليح السيارات …الخ، تلك الاعمال التي هجرها الاوربي عندما نافسه عليها الوافد الاجنبي، هذا واصبح الكردي مخيرا بين ان يبقى عاطلا عن العمل ويتحمل ضغوطات وعنجهيات الدوائر المسؤولة او ان يزاول عملا لا يرغب به او كان قد اعتبرها مهينا في كردستان. واذا ما مورس الضغط لاجراء عملية معينة او القيام بعمل ما مكرها يفعل المرء كل ما بوسعه للهروب من مسؤولية القيام بذلك العمل، وعليه يقوم المرء باختراع اساليب التفنن للهروب ذاك، والاسلوب المفضل هنا هو ان يشهر احدنا تقريرا من الطبيب يظهر العجز و المرض لتجنب العمل اسبوعا او اكثر. والادارة في هذه الحالة امام امرين اما قبول ما ورد في تقرير الطبيب والموافقة على اعطاء عا ملها اجازة مرضية او طرد عاملها من العمل. وفي كلا الاحوال لا يكلف المرء عناء البحث عن فرصة جديدة للعمل كونه سيكون من ملاك ادارة الاعانة الاجتماعية ويصرف له راتب شهري بسيط للمعيشة، وهو حال العديد من الوافدين بمن فيهم الكرد. وبالرغم من ان الدول الاوربية قد افسحت المجال واسعا امام الوافدين لتلقي التعليم واكتساب مهنة ما وهي تصرف مبالغ ضخمة من الاموال كي ينخرط الاجنبي في سلك العملية الانتاجية عبر امتهان مهنة معينة وهي تكثف من انشاء دورات عديدة لتعليم اللغة، الا ان الاكثرية الساحقة لم تتعلم مهنة معينة ولم تتقن اللغات الاوربية ، وتعلم اللغة شرط اساسي لعملية انخراط واندماج الاجنبي في صيرورة الحياة في هذه المجتمعات، وبقي الكردي على طرف المجتمع كما كان حاله في المدن الكبرى للمجتمعات المجاورة في كردستان و بقي الكردي ملازما الكردي وهو يفتقر الى علاقات صداقة واسعة مع الاوربيين. وهو ناتج بالاساس من الخوف من ما تنتجه الحضارة الاوربية من ثقافة وتصرفات اجتماعية لا تناسب في كثير من جوانبها مع ما نحن قد تربينا عليه في كردستان، ان الجانب النفسي يطل هنا بقوة ومفاده ان الكردي يشعر هنا بنفسه انه غريب وهو بالتالي يقع على الجانب الاضعف ومعرض للتأثير اكثر من ان يكون هو المؤثر بمحيطه الاوربي وفوق ذلك لا يملك الكردي ما هو مناسب حتى يأخذه الاوربي ويجعله قاعدة لحياته هنا في اوربة. ان الشعور الطاغي بالذوبان والانحلال في نسيج هذه المجتمعات وفقدان العائلة والاولاد بعد ما فقد الكردي اهله وارضه يدفع المرء الى الابتعاد عن محيطه الاجتماعي والتقوفع داخل مجتمعات موازية لتلك الموجودة هنا، وهو فوق ذلك شعور خطير يؤدي بالمرء الى حالات من اليأس والقنوط قد تؤدي الى الجنون والانتحار واقتراف جرائم كبيرة . ان الشعور بعدم الامان والقلق الدائم السائد الآن لدى الكرد هو شور خطير ام يألفه الكردي سابقا. احدنا لا يشعر بالامان انه لن يطرد من عمله غدا وبذلك يكون عالة على دوائر الاعانة الاجتماعية، او بالعكس لا يشعر الكردي انه سيلاقي يوما ما عملا دائما يتخلص بموجبه من تبعات تلك الدوائر. هذا وللكثير من ابناء الكرد التزامات مادية تجاه اهله في كردستان عليه تسديدها متى ما طلب الاهل تلك المساعدة. والملاحظ ان الكردي ما ان يحصل على كمية من النقود يرسل بها الى الوطن لشراء قطعة ارض او شقة سكنية او تنفيذ مشروع ما، وهو يريد ان يبين انه هنا في اوربة في اقامة مؤقتة سيرحل من هنا يوما ما، وتمر الايام والكردي باق لا يرحل، وتمر السنون ويكبر اولاد الكرد ويتزوجون ويؤسسون عائلات الجيل الثاني والكردي لا يرحل ولن يرحل ابدا. و اذ يعيش تناقضا في قرارة نفسه، انه هنا جسديا ولكنه هناك في كردستان ذهنيا، انه يسترد ذكريات طفولته بلذة فائقة ويتغنى بتلك الذكريات العزيزة عليه . ان الكرد يفتقد هنا للمؤسسات العامة وخاصة الاجتماعية والاقتصاد ية المهتمة بالشأن الكردي العام والداعمة للنشاط الكردي، هذا النشاط ولو على بساطته بحاجة ماسة الى دعم مادي قوي من لدن الجالية الكردية في اوربة، واذا ما تفضل ابناء هذه الجالية بارسال ما تم جمعه وادخاره خلال سنوات وسنوات الى اهله فكيف يتقوى نشاط الكرد هنا في سبيل كردستان. ان شعور البقاء المؤقت هو سبب آخر من اسباب ضعف نشاط الكردي هنا في اوربة. حان للكرد ان يحسم امره وحان له ان يقر انه دائم البقاء هنا وستصبح هذه البلدان موطنا له وبلد اولاده، وعلينا ان نفكر بحياة هؤلاء الاوربيين وكيف صنعوا لانفسهم بلدانا في غاية الدقة والنظام وانتجوا الات تعمل وتنتج ارقى المنتوجات وبنوا نظاما للاعتناء بكل ما يحيط بالمرء من الطبيعة والمدن والقرى. على الكردي ان ينظر ويرى ماذا يجري حوله وبعد مرور سنوات عديدة من مكوثه في هذه البلدان عليه ان يستوعب مقامه ويركن الى فكرة بسيطة وهي انه بالعمل الجاد يستطيع الانسان بلوغ الكثير ، اما الاعتماد على ما تقدمه دوائر المساعدة الاجتماعية تكفي كي لا يموت الانسان جوعا. ان الاوربيين بلغوا ما بلغوه فقط بالعمل الجاد وبالاعتماد على العلم ومشوراته، وما علينا الا ان ندفع اولادنا الى اتقان ناصية العلم والمعرفة كي نرتقي قليلا عن ما نحن عليه، ان اولادنا يذهبون يوميا وبالمئات الى مدارس ومعاهد البلدان الاوربية ينهلون من مختلف المصادر العلم واختراعاته وما علينا الا قليلا من الاعتناء بهم وعدم ضخ رؤوسهم بما هو محشو في رؤوسنا، ان الذي اتى من كردستان بستانيا وفلاحا وعاملا وخياطا وميكانيكيا من الصعب عليه قيادة من يتعامل مع الكومبيوتر والانترتت ومنجزات العلم. العائلة الكردية في المهجر 4 د. محمد زينو بين السئ والجيد، بين الصالح والطالح، نحن لسنا في السوق لشراء لوازم الطبخ والطعام او لباس يناسب بدننا، نحن هنا في هذه البلدان قد دخلنا معمعان الحركة الكبيرة والجارفة لكل ما قد تعودنا عليه في ماضينا في كردستان، ان الحضارة الغربية تغزو العالم بأكمله، فهي لم تأت الينا بل نحن قد قذفنا بأنفسنا وعوائلنا الى أحضان هذه الحضارة، نحن قد ذهبنا اليها سواء مجبرين او بمحض ارادتنا ، وعليه ، انها تلفنا وتجرفنا مع تيارها الجارف ، انها تدخل بيتنا وغرف نومنا واخيرا تدخل روؤسنا وتتصرف بما سنفعله اليوم وغدا، نحن لسنا احرارا حتى نقول … انك يا حضارة الغرب لا تناسبنا. نحن لا نملك وسائل الدفاع عن تراثنا سوى بعض من بقايا مواعظ واسلوب للتربية يستند اساسا الى الانتاج الزراعي وفي اطار القرية الكردية الفقيرة والمحرومة لمجمل لوازم التطور، نحن نملك جملة تقاليد وتصرفات كانت مناسبة نوعا ما لتلك البنية الاجتماعية في كردستان ولكنها قد لا تكون بذات المفعول في بيئة هذه المجتمعات الغربية التي يكبر في كنفها اطفالنا، الذين يذهبون يوميا وبالمئات الى مدارس ومعاهد ودور الاطفال ، وينظرون ما يفعله الطفل والفتاة والشاب الغربي وهو يحاول ان يقلد ويفعل مثله والطفل الكردي اذ لا ير في تقليده ما هو مخالف للعرف الاجتماعي المحيط به، ولكنه ما ان يتخطى عتبة منزله الكردي حتى يصطدم بالممنوعات والعوائق تحت شعار لا يفهمه … نحن اكراد هذا لا يجوز لنا وذاك مخالف لعرفنا وهذا عيب وذاك عار . ان اولادنا يعيشون في بيئتين مختلفتين في هذه البلدان ، انهم يتابعون مسلسل حياتهم اليومية في المدرسة والشارع ومكان العمل مثلهم مثل اقرانهم اولاد العائلات الغربية ، ولكنهم ما ان يكونوا قد دخلوا منازلنا حتى وجدوا انفسهم في اجواء عالم اخر. يتابع الطفل الكردي سير حياته حرا خارج المنزل يفعل ما يشاء ويقول ما يشاء ، انه حر في تفكيره وفعله، انه ينمي شخصيته دون عوائق ، وهذا ما تعود عليه الانسان في المجتمعات الغربية ، فالانسان هنا لا يفعل شيئا في العتم والسر، انه يفعل كل شيئ نهارا جهارا، وعندما نقول له مثلا … هذا عيب لا يجوز. انه لا يفهم قولنا و لا يستحسن موعظتنا، وهو اذ يسمع قولنا ولكنه لا يفهمه ولسان حاله يقول … لماذا هو عيب ، انه عيب عندك ولكنه مسموح به عندنا. اما اطفالنا، والحقيقة تقال يعيشون بشخصيتين، احداهما خارج المنزل غربية النمط واخرى داخل المنزل شرقية التوجه، واخطر ما في الامر هو ان يعيش المرء بشخصيتين مختلفتين، الاولى حرة تفعل وتقول ما تفكر والاخرى مقيدة بموروثنا الشرقي. قالت لي احدى فتيات عائلة كردية صديقة … الحقيقة ان المجتمع الكردي يتكون من جملة من الممنوعات …. وهي اذ تتكلم عن المرأة الكردية، انها ممنوعة من الضحك، انها ممنوعة من ابداء رأيها وقول ما تفكر به ، انها ممنوعة من الصداقة العلنية والحب العلني، انها ممنوعة من تحديد > مستقبلها.ان الفتاة الكردية ان ضحكت فبالسر وان تكلمت وابدت رايها فلا احد يبدي اهتماما بقولها وان احبت فبالسر والخفاء واخيرا لها ولي امر مستقبلها. وهذه الفتاة محقة بالكثير بما تقول. واخيرا سمعت ان والدها زوجها بابن عمها … الامي اثناء زيارتها لسورية. وهذه الفتاة ما هي الا نموذجا صغيرا لمئات الفتيات الكرد في هذه البلدان. …. رن جرس التلفون واذ باختي ترحب بي وتتكلم بمودة غير معتادة . حدثني احد معارفي في المانيا. … ارجو ان لا ترفض طلبنا … ابنتك شيرين جميلة و نخطبها لابننا. وبحكم العادات لم استطع رفض طلبها، وهي اختي الكبرى فوافقت ، ثم لكي يرتاح ضميري كلمت ابنتي ذات 13 سنة بالموضوع فلم ترفض وقالت …. انت الاعلم يا بابا. جرى مراسيم الخطوبة تلفونيا وفرح الجميع، الا ان الطفلة شيرين التي لم تستوعب الحدث كلمت في اليوم التالي احدى صديقاتها في المدرسة . انني مخطوبة لابن عمتي هل رايته لا و تطور الامر الا ان وصل الخبر الى احدى المدرسات، التي لم تستوعب هكذا افعال من اناس يعيشون في دول تحترم القوانبن وتصون الحريات. لان مسالة الزواج هي مسالة شخصية لا يجوز للعمات والخالات التدخل بمصير طفلة في سنين الدراسة الاولى، فقررت هذه الآنسة الغربية مع مدرسة اخرى ان تذهب الى ابو شيرين وفاتحت الموضوع معه. وبحكم عدم اتقانه الجيد باللغة الالمانية قرر الوالد ان الحديث معهن عديم الجدوى وهو يعتبر فوق ذلك تدخلا بامور شخصية لعائلته، فاوقف الحديث الذي لم يدم سوى دقائق معدودة. اما شييرين فاصبحت اضحوكة في المدرسة بين قريناتها والمسكبنة ما زالت تعاني من آثار سخرية زميلاتها. ولما بلغت شيرين سن 18 اعلنت وبجرأة انها لا تريد الزواج من ابن عمتها الذي لا تعرفه الا من خلال رسالة او رسالتين وباللغة العربية التي تجهلها او من خلال زيارة سورية في السنة اسبوعبن او اكثر. وانت ايها القارئ الكريم تتوقع كيف سيكون رد فعل الكردي في مثل هذه الحالات والتي يعتبرها اهانة كبيرة لشخصه امام ذويه. ومثال شيرين ماهو الا نموزج بسيط لمئات فتيات الكرد في هذه البلدان ، تلك اللواتي اصبحن ضحية العلاقات الاجتماعيةالشرقية، ان الاب لا يستطيع رد طلب اخته فتقع الصبية شيرين ضحية هذه العلاقة، والاب يحاول ان يخدع نفسه فيسال طفلته ذات 13 سنا رايها يزواجها من ابن عمتها الحنونة. والمسكينة شيرين لم تنضج عقليا حتى يكون لها راي في مثل هذه الامور، وهي خجولة في مثل هذه المواضيع وخجلها يفهم انها موافقة على طلب عمتها. يا له من منطق عظيم. واعتقد ان لدى القارئ العزيز امثلة اخرى اكثر ماساوية من تلك اتي اوردتها باسم شيرين. ونحن نقرأ بين حين وآخر قصة هروب فتاة كردية من بيت ابيها ، او نقرأ نبأ قتل فتاة كردية لم توافق على طلب الزواج من ابن العمة او الخالة. والملفت للنظر في كل هذه الحالات ان المرأة هي الطرف الوحيد كضحية العلاقات الاجتماعية، وهذا عائد الى كون المجتمع الكردي مازال ينظر الى الذكر كسيد له كامل حرية التصرف بنفسه وجسمه دون سائل او رادع، اما الانثى فهي مقيدة تماما ولا تستطيع ان تتصرف بجسمها كما تشاء ، ان جسمها ملك غيرها، وهي غير حرة بالتصرف، انها مرتبطة بمسائل الشرف وسمعة العائلة اكثر من الرجل، نحن مجتمع الذكور نرى شرفنا وعرضنا ومعنى وجودنا من خلال سلامة سيقان المرأة. لذلك يرى الكثير من الكرد وما شابه من الامم ذوي الاصول الشرقية الحضارة الغربية ليس من خلال التقدم التكنولوجي العظيم، وليس من خلال التنظيم الفذ لامور الادارة والحياة، ليس من خلال الترتيب والنظافة والاعتناء بالبيئة المحيطة ، وليس من خلال ما تقدم هذه الحضارة من ادوات العمل والانتاج الراقية ووسائل الراحة والرفاهية للناس، اننا نرى ونقيم هذه الحضارة من خلال تصرفات المرأة التي حددنا، نحن معشر الرجال مجال حركتها. فثقافتنا وتربيتنا الشرقية ذات الاصول القروية والمستندة ا ساسا الى اسلوب الانتاج الزراعي ،كما ذكرت سابقا، لا تسمح لنا برؤية بناتنا على شكل قريناتها الغربيات من صدر مكشوف وصداقات حميمة وعلاقات جنسية قبل الزواج، لذلك يفعل الكردي كل ما من شأنه ان يزوج بنته في سن باكرة للخلاص من تبعات الكبر في هذه البلدان، ولكن لا يفعل الكردي الشيئ ذاته بالنسبة لولده، ان الولد الكردي يصادق من يشاء ويأتي الى البيت متى يشاء ويتزوج من يشاء، انه حر، انه ذكر، رمز الرجولة والبطولة الشرقية. ولكننا ننسى ان المرأة التي خرجت من البيت الى المدرسة ومن ثم الى مجال العمل لمنافسة الرجل في جميع مجالات الحياة، المرأة التي اصبحت طبيبة ومهندسة وصدلانية ومعلمة وموظفة من المستحيل ان يرجعها الرجل مهما كان له من قوة العضلات الى البيت وتقييد حركتها بين غرفة النوم والمطبخ وتحديد وظيفتها بالولادة والطبخ اللذيذ . اننا نعيش عصر قوة العقل وقد ولى عصر العضلات وركوب الخيل والتغني بالامجاد وا لبكاء على اطلال القدماء، كل ذلك اصبح مكانه في المتاحف ينظر اليها اولادنا من خلال نوافذ من الزجاج. وعليه تبقى درجة تقدم الامم بمدى قدرة المرأة على الحركة والانتاج. ان العائلة الكردية في اوربة في احتكاك يومي بكمية كبيرة من المعلومات وهي تعاشر اجناس وامم مختلفة وهي مع تماس مباسر مع منجزات العلم والتكنولوجيا العظيمة ، انها في حركة مستمرة ، انها في تغيير مستمر ومع كل هذه الحركة والتغيير تتغير العادات والتقاليد والتصرفات والنظر الى الحياة وما عليها، ومع كل حركة وتغيير يتولد جيل جدبد من اولاد الكرد ، جيل الانتاج الاوربي بكل سلبياته وايجابيته. العائلة الكردية في المهجر 6 المثقف الكردي > د.محمد زينو من الجائز ان نطلق تسمية الهجرة الكردية الى اوربة بالهجرة العامة، التي اتخذت صفة الشمولية، فهي لم تقتصر على الفئة الكادحة من الكرد، كما لم تقتصر على الفئة الغنية والثرية من المجتمع الكردي. فقد هاجر من كردستان واستقر في البلدان الاوربية ابناء العائلات الغنية والثرية،الذين لم ينقصهم في كردستان المال والجاه ولم ينقصهم فرص العمل والحصول على السمعة الطيبة والمكانة المرموقة في المجتمع،هؤلاء الذين ان ساروا في ا لشارع يشار لهم بالاصبع وترفع لهم عشرات الايدي تحية وتمنيات بالسلام والصحة والعافية، هؤلاء الذين يملكون اراض زراعية واسعة يعملون بها عشرات العمال الزراعيين ، هؤلاء الذين يملكون محلات عديدة في المدن الكردية وغيرها، بكلمة الذين بمقدورهم الحصول على مرامهم باشارة من اصبعهم. كما هاجر ابناء العائلات الفقيرة الذين لم يكن بمستطاعهم تامين الاسس الضرورية للمعيشة في بلدان تصبح لوازم المنزل والحياة كثيرة يوما بعد يوم، هؤلاء الذين ضاقت بهم القرية الكردية ووقعوا تحت جور ظروف شاقة في المدن الكبيرة. لقد باع اكثرهم كل ما يملكونه وتوجهوا شطر البلدان الاوربية بحثا عن ما هو افضل واجمل واقل كلفة وجهدا. والملفت للنظر في حيثيات هذه الهجرة ان الفئة الاكثر تعلما من المجتمع الكردي بذلت جهودا كبيرة للوصول الى اوربة. هذه الفئة التي لا ترغب العيش وفق منظور الاباء ولا تستطيع العيش كما ترغب، فقد هاجرت هي الاخرى بحثا عن ما هو اجمل وسهل الحصول على مستلزمات الحياة. ونحن نرى اليوم في معظم البلدان الاوربية عشرات من مثقفي كردستان من الشعراء والكتاب والمهندسين والاطباء والمعلمين الكرد، لقد استقر هؤلاء هنا ويتابعون نشر افكارهم ونتاجاتهم الادبية سواء عن طريق النشر على صفحات المجلات والجرائد الكردية او على صفحات الانترنيت الناطقة بمختلف اللغات . هذا واصبح لدى المثقف الكردي امكانية التلاقي والاحتكاك مع الادباء والعلماء والمثقفين الاوربيين، كما اصبح المثقف الكردي على اضطلاع والمام اوسع على نتاج الحضارة الاوربية من قيم ادبية وعلمية رفيعة وهو يحاول ان يجد للادب الكردي مكانا لائقا بين الادب الاوربي. لقد حمل المثقف الكردي هم الشعب الكردي الثقيل على كتفه وهو يجوب به في هذه البلدان ، ورغم صعوبة المهمة ورغم ضرورة تخطي حواجز نفسية ومادية كبيرة وكثيرة ورغم ضغط ظروف الحياة هنا في هذه البلدان ، يحاول المثقف الكردي ان ينشر ما يخالجه من افكار وتصورات عن المستقبل الكردي هنا في اوربة وهو يهرول من بلد اوربي الى آخر ومن مدينة اوربية الى آخرى. اننا نقرأ نتاجا ادبيا كرديا رفيعا باللغات الاوربية وغيرها من الشعر والقصة والرواية وكتب السياسة وعلم الاجتماع والتاريخ. هذا وسعى المثقف الكردي الى محاولات شتى لتنظيم صفوفه المتبعثرة ، وان لم ينجح كثيرا في هذا المجال، فقد عقد هؤلاء عشرات الندوات واللقاءات التي ادت الى تأسيس جمعيات كردية ،ولو ضعيفة وفقيرة شانها شان حالة الكرد بشكل عام، جمعيات تهتم بنشر الادب الكردي قديمه وحديثه. لقد وجد المثقف الكردي نفسه في معمعان حركة المجتمع الاوربي بكل تقلباته وفجائيته، حيث لم تستقبلهم السلطات الاوربية كشاعر او كاتب او اديب، ولم تأمن لهم حياة هادئة وراغدة ولم تقل هذه السلطات للمثقف الكردي …انت ايها المثقف الكردي …اهلا وسهلا بك في اوربة ومن الآن فصاعدا ما عليك الا المكوث والجلوس والاضطلاع وكتابة افكارك القيمة وعلينا تقع مهمة نشر ما تؤلفه عن الكرد وكردستان واليك جميع مستلزمات الحياة المادية والمعنوية. لقد استقبلت السلطات الاوربية المثقف الكردي كأي لاجئ ووافد من ابناء الكرد، فقد زج بهم في غرف صغيرة وضيقة مع الآخرين وحصل الكاتب الكردي على ذات الهوية والمعاش ومستلزمات الحياة الاخرى ووقف في صفوف متراصة لتلقي الطعام شأنه شأن الكرد الآخرين. وهو ان حصل على وثيقة الاقامة ومن ثم حصل جنسية الاتحاد الاوربي اضطر بعدها الى مزاولة شتى الاعمال العضلية الشاقة لتأمين لقمة الخبز لاولاده وعائلته وهو يحصل على ذات النقود والفلوس ،انه يعيش من قوة عضلاته وليس من ما يؤلفه من كتابات وما يقرظ قريحته من شعر وبلاغة. هناك صفة عامة لدى المثقف الكردي وهي ان المثقف الكردي ليس بمثقف السلطة، انه لا يعيش من صدقات سلطة ما سواء في كردستان او هنا في اوربة ، حيث لا توجد سلطة تمول نشاط المثقف الكردي وتؤمن له اسس معيشته وهو لا يعتمد في معيشته من هبات السلطات و لا من نتاجه الفكري ،ان المثقف الكردي عامل يعيش من قوة عضلاته. وهو اذ يرجع مساء الى منزله لا تستقبله زوجته او اطفاله بسؤال عن قصيدة كتبها و مقال الفه ، بل تساله عن ما قد حصله اليوم من قروش جراء عمله، وهو ان كتب والف لايحصل على جزائه من سلطة او هئية او مؤسسة كردية على فلوسه، انها لماساة ان يكون المرء كاتبا كرديا. ان المجتمع الكردي يفتقر الى وجود عائلات غنية وثرية تمول من اموالها نتاجات الادباء الكرد. وكم كان جميلا لو وجد شخص ثري كردي ينفق جزء ضئيل من امواله في سبيل الادب والشعر والقصة والرواية الكردية. ولعلني لا اخطأ ان قلت ان شخصا كرديا وهو الاخ محمد امين كان يمول لسنوات عديدة مركز الدراسات الكردية في مدينة موسكو الروسية الذي كان يديره المرحوم البروفيسور شاكرو خدو و الاستاذ بشير ملا صبري، الا ان هذا التمويل توقف لاسباب لا اعلمه واضطر المرحوم الى اغلاق المركز الذي قدم للمكتبة الكردية اعمالا رائعة في مجال اللغة الكردية والادب والمجتمع والتاريخ الكردي كان ذروتها صدور كتاب … تاريخ كردستان باللغة الروسية. كما يفتقر المجتمع الكردي الى مؤسسات مالية ضخمة تنفق جزاء من وارداتها للاعمال العلمبة او الادبية الكردية، ولعل مؤسسة كاوا للثقافة الكردية كانت تجربة فربدة لم تفرغ اخوات لها خارج كردستان. هذا ويفتقر المجتمع الكردي الى مؤسسات ذات صفة سلطوية كالوزارات والادارت الكردية اوغير الكردية لتمويل نتاج المبدع الكردي، اننا لا نملك دولة كردية تقوم باعباء الطبع والتمويل والنشر والترجمة والتوزيع. والمثقف الكردي ان مدح زعيما كرديا ما لا يحصل جراء مدحه على الاموال والهبات بل يعتبر مدحه هذا اما واجبا و على اقل تقدير مبادرة منه تجاه هذا الزعيم او ذاك. أما اذا تجرأ كاتب كردي نقد قول او فعل او تصرف زعيم كردي …. والعياذ بالله، فما عليه الا تحمل جزاء جرأته وحده، والمسكين قد ينهي حياته الادبية غير مأسوف عليه. وعليه يفتقد الادب الكردي الى نوعين من الادب هو ادب المدح، الا قليلا، وادب النقد، وافتقادنا الى ادب المدح قد تكون ميزة جيدة وصحية ويمكن ان يفسر ان السلطة الكردية ومعها الزعيم الكردي كان يفتقد الى ادوات الترهيب من سلطة وشرطة وسوط وسجون وكذلك ادوات الترغيب من المال والاعلام وما ان ظهر بوادر هذه الادوات حتى بتنا على دارية نشوء قصائد المدح لهذا وذاك، ان الكاتب الذي مدح هذا بامكانه ان يمدح ذاك ايضا فيما اذا اغدق الاخير مزيدا من المال والاهتمام. ومن الناحية الاخرى ان افتقادنا الى ادب النقد هي مأساة قد لا تعوض. هذا واذ نقرأ بين فترة واخرى كتابا نثريا او شعريا لاحد ادباء الكرد ، فاعلم ان تمويله ذاتي من كدح وعرق جبين وقوة عضلات هذا الاديب الكردي ، وما ان يخرج الكتاب من المطبعة والكاتب يتلذذ باول نسخة منه ويدللها كاول مولود له، يقع الاديب المسكين في ورطة طبع الكتاب ، اذ يتبادر الى ذهنه سؤال … كيف سيوزعه لا ليحصل على الربح والنقود والجاه والجوائز، بل ليحصل على نفقات كتابه ، الذي بذل جهدا كبيرا في سبيل اخراجه الى حيز الوجود المادي. انه لمعلوم ان المجتمع الكردي بشكل عام والمجتمع الكردي في اوربة ايضا لا يقرأ، وان وجد من يقرأ فهم قلة لا يشكلون نسبة ملحوظة اذ من الصعب ان نطلب من ا نسان يعمل من فجر الصباح الى غروب المساء ان يجلس وراء الطاولة ليطالع او يقرأ ، ان الكردي لا يعيش في بحبوحة حتى يجد وقتا للقراءة والمطالعة، لذلك يجد الكاتب الكردي مشقة ومشاكل كبيرة لتوزيع كتبه بين ابناء الكرد الذين لا يقرأون لا باللغة الكردية او باللغات الاوربية او غيرها، ورغم ذلك نجد الكاتب الكردي يؤلف ويكتب عسى ان يجد بين ابناء الكرد يوما ويهب الجيل الكردي القادم في كردستان او في اوربة وقتا للقراءة والمطالعة . ان الكاتب الكردي ينظر دوما الى ذاك اليوم الذي يكثر في مدن وقصبات كردستان المكتبات والمدارس وقاعات المطالعة والقراءة ،انه يأمل كثيرا ان يأتي ذلك اليوم العزيز لكي يطبع كتبه مرة واخرى. انه يأمل ان يجد نفسه وهو محاط باهمية كتبه ومؤلفاته بين الكرد ،وهي على حال صفة ملازمة لكل انسان ، كل شخص يسعى الى المجد والشهرة، وكل انسان يأمل ان يؤشر له بالاصبع ويصبح اسمه على لسان العامة ويستشهد بفعله وقوله في المجالس واللقاءات، ومهما حاول البعض من ابداء التواضع الا انه في قرارة نفسه يسعى الى عكس ذلك ولو سرا ، وان لم يجهر به امام العامة من الناس. قال لي احد الكتاب الكرد الشباب ، انه يكتب للاجيال القادمة من بني الكرد ، قد يأتي يوم وتصبح مؤلفاتي، وهي ليست كثيرة، مقررات مدرسية و حتى جامعية… انه شعور على كل حال قد يجري في اعماق كل اديب او شاعر او كاتب ، انها صفة ملازمة للطبيعة البشرية لا مفر منها. وكما سبق الذكر ان الكاتب الكردي يعمل عاملا في الدول الاوربية وهو يأتي الى منزله ويجهد لايجاد فسحة ضيقة من الوقت ليكتب ويؤلف ، ورغم الضائقة الوقتية والمادية قد نجد لدى كل كاتب او شاعر او اديب كردي مؤلفات مخطوطة ومحفوظة في جهاز الكومبيوتر لا يستطيع طبعها ونشرها . ونحن امام حالة لا تبشر بالامل ، ان المثقف الكردي المغترب انسان مبتور، فهو الذي ابتعد عن جغرافيته الكردية وترك وراءه ذكرياته واهله، وهو يكتب بحنين عميق عن كردستان واهلها ووديانها وجبالها وسهولها وزهور ورودها، انه لا يستطيع ان يتجرد من ماضيه ولا يستطيع الابتعاد من ظله انه كردي ، انه مأساة ان تكون كاتبا وكرديا في هذه البلدان. اننا امام ادب كردي جديد هو ادب المهجر، انه ادب كردي وان كتب بلغات اجنبية، لان الكردي ووطنه كردستان هما مادة هذا الادب وعماد وجوده. ان الثقافة والادب الكرديين ومعهما الكاتب الكردي بحاجة ماسة الى مؤسسات مادية كبيرة لدعم نتاجه هنا في اوربة ولنا أمل ان لا تدوم حالة الفقر السائد الان في الاوساط الثقافية الكردية في هذه البلدان وان تلتف مؤسسات كردية قد تتشكل مستقبلا الى ما ينتجه المؤلف الكردي من شعر رقيق او قصة مثيرة او رواية ممتعة او مؤلف اجتماعي او كتاب قيم و ترجمة ذات فائدة عامة. >
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الدراسات | السمات:الدراسات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























