القسم 2 وجود الكرد التاريخي في سوريا الحديثة

كتبهاالحقيقة والحوار ، في 23 نيسان 2008 الساعة: 13:39 م

يعيش الكرد بشكل أساسي في المناطق الشمالية من سورية المتاخمة للحدود التركية العراقية. فهم يشكلون الغالبية في محافظة الحسكة في مدن القامشلي وسرى كاني( رأس العين) والدرباسية وديريكى( المالكية) وعامودا. أما بالنسبة الى مدينة الحسكة فقد أصبح العنصر العربي هو الطاغي الآن، هذا إذا إعتبرنا اليعاقبة المسيحيين (السريان وغيرهم من الطوائف المسيحية الأخرى) [32] عرباً أيضا. وهنا لابد من الإشارة الى أن ألأوساط الشوفينية في المحافظة تسعى دائما وبالتنسيق مع بعض الفئات في القيادة السياسية العليا السورية الى تغيير الواقع الديموغرافي (كما ذكر أعلاه) في المناطق المأهولة تاريخياً من قبل الكرد.
في محافظة حلب يشكل الكرد الأغلبية المطلقة في قضائي كرداغ( عفرين) وكوبانه( عين العرب) وكذلك يوجد أبناء الشعب الكردي بنسب متفاوتة لا تتجاوز ال30% في أقضية الباب وجرابلس واعزاز. وأهم المدن الكردية فيها عفرين وتتبعها ثلاثة نواحي( بلبل وجندريس وراجو) وفي الفترة الأخيرة أستحدثت ناحيتان جديدتان مال باتو(معبطلو) وشران. يبلغ عدد القرى في منطقة كورداغ( عفرين وأحيانا جبل الكرد) ب 328 قرية، وفي كوبانه 213 قرية، وهناك عشرات القرى في أقضية الباب واعزاز وجرابلس ومنبج.
ويشير العلامة الكردي محمد أمين زكي الى أنه تقطن عشائر كردية في أطراف حارم غربي حلب تدعى جوم ( كوم) وقيصر أكرادي. وفي منبج عشائر (بزيل ودنائي وباكه وإيلي بكي التي تسكن الخيام على شاطئ الفرات).كذلك تقيم بعض العشائر الكردية في جبل الزاوية( الوسط) وعلى شاطئ نهر العاصي في الجنوب الغربي لبلدة الشاغور. وهناك عشائر كبيرة تسكن منذ القدم بين حمص وطرابلس بلبنان هذا ويقيم في دمشق قسم من عشائر صالحية مدينة كفري بكردستان العراق، وعلى ما يبدو أن منطقة صالحية دمشق سميت بإسمها [33] .
ويتوزع الكرد بأعداد ضئيلة في بعض المحافظات السورية الأخرى ولا سيما في الرقة حيث يتواجدون في ناحية تل أبيض. هذا الى جانب إستقرار الكرد في جبل الأكراد المطلة على مدينة اللاذقية حيث لا تقل قراهم عن 80 قرية كما يشير الى ذلك المؤرخ اللبناني أديب معوض [34] . وبالفعل فقد أصبح ذلك معروفا الآن نتيجة الإتصالات المختلفة بين أبناء المنطقة الساحلية السورية ومناطق الكرد في باقي أنحاء سورية.ألا أنه مع الأسف الشديد لا يعرف هذا العدد الكبير من أبناء الكرد في تلك المنطقة، كما هو الحال ببعض المناطق الأخرى، شيئا عن أصولهم وتاريخ شعبهم وثقافة أمتهم، سوى عدد قليل من كبار السن الذين ما زالوا أحياء .

الحالة الإجتماعية والإقتصادية

وهنا لا بد من الإشارة الى عدد سكان الشعب الكردي في سورية، حيث لا تعترف الأوساط الرسمية الحكومية بشكل مباشر في البلد بوجوده في الوثائق الخاصة بالبنية السكانية الديموغرافية في جميع مراحل تاريخ سورية المعاصر بدءا من الإستقلال والى يومنا هذا، بإستثناء الإحصاء المشؤوم والسئ الصيت في بداية الستينات المعروفة في الوقت الحاضر لدى كل مهتم بتاريخ الكرد المعاصر في البلد.
يتراوح عدد الكرد وبالإعتماد على النسبة المئوية التي تقدر ب 10% من عدد سكان سورية الإجمالي وذلك وفق إحصاءات رسمية لبلدان ا جنبية ويشكل تقريبي بين (1-3م) ألا أن هذا العدد قد يتعرض للزيادة أو للنقصان لكون المعلومات الصادرة عن الأجهزة الرسمية تتعمد إخفاء الحقيقة الفعلية للرقم الدقيق ، أو تتجاهله عن قصد وفي أحسن الأحوال تعطي أرقاماً قليلة جدا بحيث تكو ّ ن صورة في المحافل الدولية أو للباحث المهتم بالموضوع بأن الكرد يشكلون أقلية صغيرة جدا لا يجوز إعتبارها مسألة قومية.
حتى فترة قريبة شكل فلاحوا الأرياف أكثر من 75% من المجتمع الكردي، ألا أن هناك ظاهرة عامة في السنين الأخيرة وهو أن كرد الأرياف الذين نزحوا الى المدينة نظرا لظروف الحياة الصعبة وإنتشار البطالة،قد أخذوا بالعودة الى قراهم وخاصة الذين يعتبرون من ملاكي الأراضي وبعد ان أقدمت الدولة بشكل عام على تقديم التسهيلات باستلام القروض من البنوك والحصول على المواد الزراعية باسعار رخيصة .الا ان العملية تعقدت اكثر بالنسبة للفلاحين الفقراء الذين لايتوفر تلك التسهيلات لهم إ لا ّ من خلال سماسرة المدينة وكذلك الفلاحين الواقعين في منطقة ما يسمى ،،بمزارع الدولة،، [35]
ان غالبية فقراء الريف المحرومين من ملكية الأراضي مرغمون الى ترك قراهم بحثا عن الوسائل الضرورية للعيش فهؤلاء غالبا ما يذهبون الى المدن السورية الكبيرة كحلب ودمشق وأحيانا خارج سورية الى البلدان العربية مثل لبنان وليبيا وان ساعدت الظروف لنسبة لابأس منهم ل لسفر الى بلدان الخليج ثم يعو دو ن بعد ان جمعوا بعض الأموال لضمان مستقبل اسرهم .الا ان ذلك لا يتحقق الا لنسبة قليلة من أبناء الكرد لاسباب عدة .
غالبا ما يمارس أبناء الفلاحين الفقراء وكذلك أبناء فقراء المدن الذين سدت بوجوههم ابواب مواصلة الدراسة في المدن بالمدارس الثانوية والمعاهد المتوسطة والجامعات والمعاهد العليا نتيجة أسباب مختلفة ،فالاعمال البسيطة كأجراء في المطاعم والمقاهي وال فنادق ، اسعارها بخسة جدا لا تكاد لاتكفي تكاليف معيشتهم الشهرية .ومع ذلك فقد كان طموح هؤلاء كبيرا للحصول على شهادة الدراسة الثانوية العامة أو غيرها والألتحاق بالجامعات السورية وأحيانا بالجامعات اللبنانية وأستطاعوا مواصلة الدراسة والتخرج منها بدرجات م تفوق ة مختلفة فكانت النتيجة أن ساعدت الظروف لنسبة لابأس منهم السفر الى البلدان الأوربية المختلفة وبشكل خاص الى بلدان المعسكر ال ا شتراكي السابق التي قدمت كل التسهيلات لهؤلاء الطلاب ل ابراز إمكاناتهم العلمية ليتمكنوا بهذا الشكل التفوق على غيرهم من أبناء كبار الملاكين والأغنياء الذين كانوا يزعمون بأن أولاد الفقراء يفتقرون فطرياً الى عندهم الذكاء والنبوغ وقد برز من بينهم أعداد لا تحصى في مختلف الإختصاصات والكفاءات العلمية . إ لا أن ذلك لا يستثنى من بينهم بعض النماذج غير ال كفوءة التي حصلت على مؤهلات دون الإعتماد على الذات واستخدام الأساليب الملتوية. لكن هذه الأمور تنطبق بشكل أساسي على هؤلاء الطلبة الذين كانت ظروفهم المادية والإجتماعية تسمح بذلك، ومن الطبيعي أن يكون هؤلاء من أبناء الفئات الثرية والقريبة من السلطات والأجهزة الأمنية هنا وهناك. وهنا لا بد من إبداء ملاحظة جوهرية بشأن هذا العدد الكبير من هؤلاء الخريجين والإختصاصيين الذين أخذوا شيئاً فشيئا الهروب من المسائل الإجتماعية والسياسية والإقتصادية المعقدة الذي تواجه المجتمع عموما والكرد خاصة وذلك بسبب التهديد المتواصل والملاحقة المستمرة من قبل مختلف الأجهزة الأمنية بأمكنة تواجد الكرد في سورية، مما إضطر القسم الأكبر منهم ترك العمل الحزبي والتحريضي بين الجماهير الكردية والإكتفاء بالدور السلبي في العمل السياسي، أي البحث عن العمل بإحدى دوائر الدولة، مع الإبتعاد عن كل ماهو يزعج السلطات. وإذا حاول البعض منهم القيام بدور حيوي ونشيط في الدعاية لحزب ما أو تجمع سياسي مناهض للسلطة أو ينتقدها، فلا بد أن يتعرض للتهديد أو الطرد أو النفي الى منطقة عمل جديدة بعيدة عن مركز سكنه أو تعيينه في دائرة حكومية لا تمت بصلة الى إختصاصه أو مجال عمله. وإذا أ عتبر الشخص أن عمله السياسي يشكل خطورة جدية بالنسبة للدولة فانه ينفى الى مناطق بعيدة جدا في محافظة أخرى بالبلد. وبهذه المناسبة، تجدر الإشارة الا أنه في العقود الأخيرة تقلصت مثل هذه التدابير نوعاً ما لأن القيادة السياسية أدركت خطل هذه السياسة.أما بالنسبة لذلك العدد من أبناء الكرد وأبناء الفئات الأخرى غير العربية الذين يصبحون أعضاء في حزب البعث الحاكم أو الذين يتعاملون في الخفاء وبشكل سري مع الدوائر الأمنية، وبهذه الحالة يتحولون الى أداة طيعة بيد تلك الدوائر التي تكلفهم بمهمات مختلفة لرصد حركات القوى والأحزاب الكردية وأحيانأ كثيرة حتى الحليفة معها بالسلطة، المؤدية الى الحد من زيادة نفوذها بين الجماهير الشعبية. وبهذاالخصوص، فأنه يمنع منعا باتاً تعيين أحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعات السورية أو المعاهد العليا، إلا بعد أن موافقة عدة دوائر أمنية تقييمات إيجابية بالنسبة لموقف المرء من النظام الحاكم.وبهذا الشكل تكون الغالبية العظمى من الكادر البيداغوجي والإداري محصورا فقط على الفئات الموالية للسلطة في أكثرية مراحل الدراسة وعلى الأخص بالجامعات.
بالإضافة الى جميع ماذكر آنفا، يجب الوقوف على ناحية هامة بشأن إقامة المعاهد العليا والجامعات بأمكنة تواجد الكرد المكثف في سورية، حيث سعت القوى العنصرية والفئات الشوفينية في قيادة البلاد السياسية الى عدم بنائها هناك لتصعب بهذا الشكل مواصلة الدراسة فيها، وفرض سياسة التجهيل وحرمان العدد الأكبر من أبناء الفئات الفقيرة من إكمال دراستها بسبب مواردها المالية المحددة.
تنحصر الحياة الإقتصادية في المدن الكردية على المشاريع الخدمية التي تشرف على غالبيتها الفئات المرتبطة مباشرة مع جهاز السلطة أو بعض الشخصيات المستقلة الثرية التي لا تفكر بالقضايا القومية للشعب الكردي، وان همها الوحيد جمع الثروة أكثر فأكثر، الا أن ذلك لا يعني عدم وجود أناس شرفاء مخلصين للمنطقة ينفذون بعض المشاريع بأمان وصدق ووفق الشروط الفنية للتعاقد مع السلطات المختصة في تلك المدن، وغالباً ما يتعرض هؤلاء الناس للإبتزاز والإجراءات الإدارية البيروقراطية التي تعرقل انجاز المشاريع المنوطة بهم في الوقت المحدد.
أما المؤسسات الإنتاجية (الشركات والمعامل) التي تساهم في تحسين مستوى الحياة الإجتماعية للناس فتكاد تكون معدومة للأسف الشديد.وقد سعت بعض الفئات المتنفذة الكردية الواقعة في فلك الدوائر صاحبة القرار الفعلي في المنطقة، للحصول على تراخيص لبناء معامل صغيرة الحجم ( أو من الأصح تسميتها بورش صناعية) في منطقة الجزيرة والمناطق الكردية الأخرى، ألا أن جميع هذه المساعي ذهبت أدراج الرياح و قوبلت بالرفض من قبل الدوائر المعنية في الدولة سواء في الوزارات أم في المحافظات. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا هذا الحظر على المنطقة؟ والحصار الإقتصادي عليها؟…إن هدف هذه السياسة هو جعل المنطقة الكردية من سورية تابعة للمناطق الصناعية في البلد، بحيث يضطر سكانها الى بيع المواد الخام الأولية( المنتجات الزراعية والحيوانية وغيرها) وكذلك ( مواد أولية راجو وزيتون عفرين وبترول الجزيرة ) في أسواق المحافظات الأخرى، ويأخذون مقابل ذلك المواد المصنعة منها، وبهذا الشكل تتحول المناطق الكردية الى سوق إستهلاكية للمحافظات السورية الأخرى.الا أن هذه الممارسات الخاطئة والعنصرية تسئ الى الإقتصاد الوطني العام وتضعف وحدة البلد الداخلية وت جعل سمعة سوري ا سمعة غير لائقة في المحافل الدولية. وللحقيقة يجب القول أنه في السبعينات طرأت بعض التغييرات غير الجوهرية بالإتجاه الإيجابي نحو الكرد، الا أن القوى الشوفينية في مختلف حلقات الدولة حاولت تفريغ محتواها وأصبحت تلك الإجراءات حبرا على ورق.
إن الحياة الإجتماعية ترتبط بشكل مباشر بالأنماط الإنتاجية الإقتصادية وتتأثر بشكل كبير بالهياكل السياسية السائدة في البلد وتتطور وفق التقاليد التاريخية لكل منطقة ولكل شعب. حتى فترة ليست بعيدة جدا، كان المجتمع الكردي يعاني من بقايا الروابط القبلية والإقطاعية التي عرقلت تطوره مدة طويلة.الا أن تطورات القرن العشرين ولا سيما العقود الأخيرة منه عجلت بزوالها شيئا فشيئا وما زالت العملية جارية حتى يومنا هذا. فقد سددت قوانين الإصلاح الزراعي التي بدأت في منتصف الستينات في المناطق المختلفة بسورية عموما ضربة قوية الى النفوذ الإجتماعي لطبقة كبار ملاكي الأراضي( الآغا الإقطاعي) وانتعش الفلاح الكردي بعض الشئ. ولا شك لو تم تنفيذ الإصلاح الزراعي بشكل علمي سليم وبعيدا عن المخططات العنصرية، لوفرت للفلاحين الكرد فوائد إجتماعية جمة أضعفت سلطة الشيوخ الدينية التقليدية.إلا أن عملية الإصلاح هذه اكتنفتها أخطاء كبيرة ولم تحقق الهدف المرجو منها.
بالرغم من ذلك فقد جرى تغيير نوعي كبير في المجتمع الكردي. فقد تشكلت فئة مثقفة كردية من أبناء جميع الشرائح الإجتماعية التي أخذت تشن حملة شعواء على المفاهيم القديمة التي تقف حجرة عثرة أمام التطور الطبيعي ( كعادة تعدد الزوجات والأمية وأمراض إجتماعية أخرى) ونشأت شريحة من التجار والسماسرة بالرغم من عدم إهتمامها بالقضايا القومية المرتبطة بوشائح قوية مع مثيلتها في دمشق وحلب والمدن السورية الأخرى، فقد بدأت بالمساهمة الى حد ما بتقديم بعض خدماتها لإيجاد الحلول للمشاكل اليومية التي يعاني منها المواطن الكردي بسبب حالة الطوارئ والأحكام العرفية الموجودة منذ عشرات السنين، لكنها مقابل مبالغ مالية كبيرة تقطع من دخل المواطن الذي هو بالأصل ليس عاليا. هذا الى جانب الفئة البرجوازية الجنينية التي ما زالت بعيدة عن الدور المناط بها وذلك بفعل عوامل ذاتية وموضوعية.
بعد هذا السرد الموجز لبعض الجوانب الحضارية من حياة الشعب الكردي في سورية، ننتقل الى تبيان دوره الوطني عبر التاريخ الحديث والمعاصر للبلاد وما قام به أبناؤه في أحلك الأيام من التاريخ المشترك بين الشعبين والتضحيات الجسام التي قدموها أثناء تعرضه للنكبات والأهوال .

تاريخ الكرد المعاصر:

بفعل التآمر الاستعماري تجزأ وطن الكرد، كما بيّنا آنفاً، الى أربعة أجزاء نتيجة تدخل الدول الأوربية وبشكل خاص فرنسا وبريطانيا وألحق جزء منه بسوريا الحديثة التكوين.
إحتل الفرنسيون سورية عام 1919 وكانت المواجهة الأولى معهم بميسلون، حيث خاضت القوات السورية بقيادة الشهيد يوسف العظمة، الكردي الأصل [36] معركة غير متكافئة. وكانت النتائج هزيمة الجيش السوري وإستشهاد البطل يوسف العظمة رئيس أركانه وإحتلال الوطن من قبل المستعمر الفرنسي.
ساهم الشعب الكردي مساهمة فعّالة ضد الاستعمار الفرنسي في مراكز تواجده بسورية بدءاً من الجزيرة ومروراً بمناطق كوبانه ( عين العرب) وكرداغ ( عفرين، جبل الكرد). فقد خاض أبناء الشعب الكردي بدمشق وضواحيها معارك متواصلة حتى الجلاء الأجنبي من البلاد. فيما يلي بعض الوقائع العسكرية في تلك الأمكنة التي أشار اليها بعض المؤرخين العرب السوريين وكذلك آراء شهود عيان من أبناء تلك المناطق الذين شاركوا مباشرة في مناهضة الاحتلال الفرنسي. لقد كتب الدكتور صلاح الدين مدني في مؤلفه ،، تاريخ العرب الحديث،، أثناء سرد الأحداث التي وقعت في الجزيرة والفرات 1920-1921 ما يلي: ،، ثار أول الأمر سكان الجزيرة حيث تضافرت جهود كل السكان من العرب والأكراد للوقوف في وجه الفرنسيين، وسرعان ما انضم ثوار منطقة الفرات اليهم، وأخذوا يهاجمون قوات الانتداب على طول الخط الحديدي بين حلب والحدود التركية،،.
أما كاتب تاريخ الانتفاضات السورية ضد الوجود الفرنسي أدهم آل جندي، فإنه يخص بالذكر أبناء جبل الكرد ( حي الأكراد، ويسمى الآن ركن الدين، بعد تعريبه) أشهرهم ( أحمد آغا الملا 1891-1926) كردي جاء من بلدة سويركه الى الشام. ترعرع بحي الأكراد وتلقى دراسته بمدرسة عنبر بدمشق. وفي الحرب العالمية الأولى كان برتبة ضابط في الجيش التركي [37] ثم يردف قائلاً: ،، شكل أحمد الملا مجموعة من الثوار في حي الصالحية مع علي آغا زلفو ثم تزعم المجموعة الكردية في الغوطة، حيث أبدى بطولة في جميع الملاحم التي خاضها حتى استشهاده. فقد أشاد سعيد العاص بشجاعته وجرأته، اذ صمد في معركة النيل وقتل جواده في معركة القسطل وتميز في معارك جسر تورا.[38] كما يقف المؤلف على مآثر الكثيرين من أبناء دمشق الكرد مثل عائلة ديبو آغا في منطقة حرستا، وأحمد البارافي الذي قاد الانتفاضة في قطنة. ولن ينسى أبناء دمشق عرباً وكرداً المناضل محمود البرازي المعروف بأبي دياب الذي حاول اغتيال الجنرال غورو قائد القوات الفرنسية الغازية سنة 1925. [39] بذكر هؤلاء نكتفي من أبناء الكرد في دمشق وضواحيها الذين خاضوا معارك التحرير ضد الفرنسيين، لأن الدراسة لا تسمح بالوقوف على كل ما قام به كل فرد من شهداء الشعب الكردي ضد المستعمر الغاصب. كذلك قاوم سكان كوبانه ( عين عرب) الاحتلال الفرنسي وأبادوا الكتيبة الفرنسية بقيادة الكولونيل ساجو.
ولا بد من الاشارة الى أحد زعماء الثورة السورية في العشرينات (ابراهيم هنانو)[40] وفي جبل الزاوية الذي ينتمي الى الشعب الكردي في سورية أيضاً، الا أن المؤرخين العرب يخفون حقيقة انتمائه الى الشعب الكردي.
لم يتوان أبناء الجزيرة الكرد قيد أنملة عن أبناء جلدتهم في باقي الأجزاء السورية في النضال ضد المحتل الفرنسي، باستثناء بعض الفئات من الأغوات التي تعاونت معه من أجل غايات شخصية أو مالية، حيث قاموا بواجبهم الوطني خير قيام ولم يدخروا وسيلة إلا واستعملوها، أو تضحية إلا وبذلوها. وحادثة قرية ( بياندور) القريبة من قرية تربه سبي ( القحطانية بعد التعريب) التي تمكنت الجماهير الكردية الثائرة فيها من قتل قائد القوات الفرنسية ( روكان) لا زالت حيّة في الأذهان. وهنا لا بد من ذكر معركة جماهير الكرد العزل في ناحية ( عامودة) حيث انقسم سكانها وكذلك المناطق المحيطة بها من القرى ما بين قرى موالية للفرنسيين أو معادية لهم، وكانت النتيجة ان قصفتها القوات الفرنسية بالطائرات فقتل بعض الوطنيين والقى القبض على الآخرين ونهب أنصار المستعمر المدينة وسكانها.
تجدر الاشارة الى ان الفرنسيين اثناء احتلالهم لسورية كانوا يستخدمون أساليب ماكرة، كما هو الحال بالنسبة لكل الدول التي تحتل شعوباً أخرى اعتماداً على مبدأ ( فرق تسد) فقد كانت السلطات الفرنسية تلمح لبعض أغوات الكرد بأنها تفكر في تلبية أماني الشعب الكردي وذلك لاستمالة البعض منهم الى جانبها، وقد نجحت في ذلك. أما بالنسبة لطائفة السريان المعتنقة للديانة المسيحية، ادعت فرنسا بأنها تربطها وأياها رابطة دينية مشتركة وقد توقفت بذلك أيضاً. وبهذا الشكل انقسم السكان بالجزيرة ما بين مؤيد ومعارض.
الا ان الواقع اختلف تماماً، فلم تكن فرنسا تهمها مصلحة الكرد وكردستان، وانما توطيد أركان مواقعها في المنطقة الحساسة المتاخمة للعراق وتركيا، لأنها قبل احتلالها سورية اتفقت مع تركيا الكمالية على تجزئة وطن الكرد باقتطاع جزء منه وضمه الى سورية، وكذلك الموافقة مع تركياعلى احتلال جزء من الأراضي التي أغلبها سورية، وهكذا تكون فرنسا قد أوجدت مشكلة معقدة في هذه النقطة الحدودية بين سورية وتركيا لتصبح بؤرة توتر على الدوام بين الدولتين وبين الشعبين.
الى جانب ذلك، فقد شارك الكرد في معارك فلسطين ضد الاحتلال الاسرائيلي، حيث كان الفوج ال 16 الذي قاتل في فلسطين مؤلفاً من الكرد. وخلال وجود جلادت بدرخان وحتى وفاته، كان يعرض خدماته على الحكومات الوطنية الفتية عندما كانت تشعر بالخطر الخارجي عليها، وذلك بتشكيل مفارز عسكرية كردية للدفاع عن البلاد أو ارسال متطوعين كرد الى جانب القوات السورية التي حاربت في فلسطين. إلا أن مقترحاته هذه قوبلت بالرفض[41]. وذلك خشية تلك الحكومات من استخدام جلادت بدرخان هذه القوات من أجل القضايا المصيرية بالنسبة للشعب الكردي في المنطقة. ولهذا كانت تسعى بشتى الوسائل الى تضييق الخناق عليه للحد من نشاطه القومي بحيث اضطر القسم الأكبر من أقاربه الى مغادرة المنطقة واللجوء الى الدول الأوربية بعد وفاته.
وفي نهاية الخمسينات أثناء توتر الأجواء على الحدود السورية التركية، وقف الكرد موقفاً وطنياً صحيحاً أزاء التهديد التركي، حيث تطوع أبناء الكرد في منطقة الجزيرة في لجان الدفاع عن البلاد، التي كانت تسمى بلجان ( المقاومة الشعبية) فقد كانت مهمتها تنحصر في تدريب المتطوعين على السلاح الفردي ( البنادق والمسدسات) الذين شكلوا دوريات اثناء الليل أو حفروا خنادق على الحدود استعداداً للمواجهة. إلاّ أن السلطات كانت تنظر بعين الريبة والشك الى هذا الموقف الوطني النبيل ولجأت الى جمع تلك الأسلحة البسيطة فور انتهاء خطر الاقتحام التركي وذلك خشية من استخدام القوى القومية الكردية لها من أجل مطامحها داخل سورية أو تقديم المساعدة لحركة التحرر الوطني الكردية في العراق أو في تركيا.
في بداية الستينات تبلور الوعي القومي الكردي بشكل واضح بين أبناء الكرد في كل من العراق وتركيا وايران وسورية وخاصة بعد عودة القائد الوطني الكردي المناضل ملا مصطفى البارزاني الى العراق نتيجة اتفاقية سلام من اجل الحكم الذاتي لكردستان العراق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق وقيادة الجمهورية العراقية بزعامة عبد الكريم قاسم، التي لم يكتب لها الديمومة والبقاء وسرعان ما تمكنت القوى الشوفينية الحاقدة في السلطة الإجهاز عليها ومجئ حزب البعث الى السلطة في كل من سورية والعراق. فكيف كان ردّ فعل السلطات السورية، أي حزب البعث في سورية من الكرد في هذه الفترة؟ وما هي الاجراءات التعسفية التي اتخذتها ضدهم؟
بعد استلام حزب البعث زمام الحكم سنة 1963 بزعامة ميشيل عفلق واليمينيين الآخرين ساءت أحوال الكرد أكثر حيث سموا ب( اسرائيل الثانية) ونسبت اليهم تهمة التسلل الى سورية ورسمت المخططات العنصرية لتصفية وجودهم وكان مهندس هذه السياسة رئيس شعبة الأمن السياسي في القاميشلي الضابط ( محمد طلب هلال) الذي قام بدراسة حول محافظة الجزيرة من النواحي الاجتماعية والسياسية والعرقية، تناول فيها ما أسماه بالخطر الكردي. ونسرد فيما يلي بعض مقترحاته بنصوصها الحرفية التي رفعها الى القيادة السياسية العليا للبلد للاطلاع واتخاذ التدابير اللازمة بالسرعة الممكنة، لأن تأجيلها أو التروي فيها من وجهة نظر المؤلف سيشكل خطراً مميتاً لكيان الأمة العربية عموماً ولسورية خاصة؛
وفيما يلي مقترحاته:
( أن يوضع تخطيط شامل وجذري بالنسبة للجزيرة كي لا تعود المشكلة من جديد بعد فترة من الزمن، فالمنطقة كلها كما علمنا في تركيا والعراق وايران وسورية ملتحمة مع بعضها على طول الحدود وعليه القيام:

1- أن تعمد الدولة الى عمليات التهجير الى الداخل وتوزعهم هناك مع ملاحظة العناصر الخطرة أولاً بأول.
2- اتباع سياسة التجهيل، أي عدم انشاء مدارس ومعاهد علمية بالمنطقة.
3- أن الأكثرية الساحقة من الأكراد المقيمين في الجزيرة يتمتعون بالجنسية التركية، فلا بد من تصحيح السجلات المدنية وهذا ما يجري الآن، وانما نطلب أن يترتب على ذلك اجلاء كل من لم تثبت جنسيته وتسليمه الى الدولة التابعة.
4- فلا بد لنا أيضاً المساهمة في الخطة باتخاذ التدابير الضرورية ضدهم، حتى نجعلهم في وضع غير قادر على التحرك وفي حالة غير مستقرة ومستعدة للهجرة في أية لحظة، وهذا يجب أن يأخذ به الاصلاح الزراعي أولاً، بأن لا يؤجر ولا يملك الكرد فالعناصر العربية كثيرة وموفورة بحمد الله.
5- شن حملة دعائية واسعة بين العناصر العربية ومركزة ضد الكرد بتهيئة العرب لحساب ما أولاً وخلخلة وضع الأكراد ثانياً.
6- نزع الصفة الدينية عن مشايخ الدين عند الكرد وارسال مشايخ بخطة مرسومة عرباً أقحاحاً بدلاً من غيرهم لأن مجالسهم ليست مجالس دينية أبداً، وبدقة العبارة مجالس كردية.
7- ضرب الأكراد في بعضهم وهذا سهل وقد يكون ميسوراً باثارة من يدعون منهم بأنهم من أصول عربية على العناصر الخطرة.
8- اسكان عناصر عربية وقومية في المناطق الكردية على الحدود فهم حصن المستقبل ورقابة بنفس الوقت على الأكراد ريثما يتم تهجيرهم. ونقترح أن تكون هذه العناصر من عشيرة ( الشمر) لأنهم أفقر القبائل وثانياً مضمونين مائة بالمائة.
9- جعل الشريط الشمالي منطقة عسكرية كمنطقة الجبهة بحيث توضع قطعات عسكرية مهمتها اسكان العرب واجلاء الكرد وفق ما ترسمه الدولة من خطة.
10- انشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط الشمالي على أن تكون هذه المزارع مدربة ومسلحة عسكرياً كالمستعمرات اليهودية على الحدود تماماً.
11- عدم السماح لمن يتكلم العربية بأن يمارس حق الانتخاب والترشيح بالمناطق المذكورة.
12- منع اعطاء الجنسية السورية مطلقاً لمن يريد السكن في تلك المنطقة مهما كانت جنسيته الأصلية ( عدا الجنسية العربية). هذا وأن هذه المقترحات غير كافية، بل أردنا منها اثارة المسؤولين حسب خبرتنا لتكون تباشير مشروع خطة جذرية شاملة لتؤخذ للذكرى بعين الاعتبار. [42]

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : وثائق | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر