حقائق عن الحزام العربي في كُردستان - سوريا

تموز 11th, 2008 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , الدراسات

عبد الباقي اليوسف*

      سوريا كدولة نشأت بموجب اتفاقية سايكس-بيكو بين فرنسا وبريطانيا بعد إنهزام الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، و بموجب هذه الإتفاقية ضمت جزء من كوردستان إلى الدولة الناشئة و بعد ترسيم الحدود بشكل نهائي بين سوريا و تركيا عام 1928 ضمت منطقة (ديريك) أيضاً.

    عدد الكورد في الوقت الحالي حوالي 3 ملايين من أصل 18 مليون نسمة، الهوية الكوردية غير معترف بها، اللغة و الثقافة الكوردية محظورة، المناطق الكوردية مهمشة من الناحية التنموية و الخدمية رغم أنها مصدر أهم الثروات الوطنية مثل الحبوب و القطن و الزيتون و الفواكة بالإضافة إلى النفط.

     توجد جملة من المشاريع العنصرية في سوريا التي تستهدف صهر الكورد ضمن بوتقة القومية العربية . ما سنتحدث عنه هو الحزام العربي الذي طبق في محافظة الحسكة ذات الأغلبية الكوردية و التي تقع بمحاذاة الحدود مع تركيا و العراق و التي تشتهر بأراضيها الخصبة، معظم الحبوب و القطن ينتج من هذه المحافظة و ينبع منها نهر الخابور كما تجري من جانبها الشرقي نهر الدجلة، أكتشف فيها النفط في أواخر الخمسينيات، و  تم إستثماره في أواسط الستينات من القرن المنصرم، و لذلك إستهدفت بشكل أكثر من قبل القومويين العرب.

الحزام العربي :احدى المشاريع العنصرية التي وضعها حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا ، وبدأوا يروجون له منذ ان سيطر حزب البعث على السلطة عام 1963 ، وهذا المشروع هو احدى حلقات مشروع اكبر يستهدف تغيير ديمغرافية المنطقة الكُردية في محافظة الحسكة، المشروع كما اكده حزب البعث من خلال مؤتمراته القطرية هو السيطرة على كل الشريط الحدودي مع تركيا ابتداء من حدود محافظة الحسكة مع محافظة الرقة في الغرب انتهاء بنهر دجلة شرقا، وبطول 375 كم وعرض من 10 الى 15 كم على ان يجلى السكان الكُرد من هذه المنطقة ، وتسكن بعرب يجيء بهم من محافظات اخرى بعد ان تبنى لهم مستوطنات نموذجية، على غرار المستوطنات الاسرائيلية، مجهزة بكافة وسائل العيش ، المدارس النموذجية وشبكات المياه الصحية والمرافق الصحية والكهرباء لتشكل حاجزاً بشرياً بين الكُرد في كُردستان سوريا وإخوتهم في كُردستان تركيا والعراق .
      تبلغ مساحة المحافظة 23333.59 كم2 من اصل مساحة سوريا البالغة 185180 كم2 ,تتكون المحافظة من اربع مناطق : منطقة الديريك , منطقة القامشلي ومنطقة رأس العين ومنطقة المركز الحسكة.
     منذ عهد الوحدة بين سوريا ومصر, جرت الخطوات الأولى ضد الكُرد  بتصفية ضباط الكُرد من الجيش ، حيث تم طرد العشرات منهم، كما بدأت عمليات تغيير ديمغرافية المناطق الكُردية تحت غطاء قانون الاصلاح الزراعي الذي بدأ تنفيذه في سوريا عام 1958. منذ تلك الفترة بدأ توطين العرب في المناطق الكُردية ففي عامي 1959- 1960 تم إنشاء مستوطنات للعرب في مناطق سريكانية ودرباسية وديرك وجلب المستوطنون من محافظات درعا وسويداء وحماة وادلب وأسكنوهم في مستوطنات: العريشة - المناجير – الأهراس – العامرية – الاربعين – ليلان – أم الخير ….. كل هذه المستوطنات تقع في منطقة الخابور وعلى حدود محافظة الحكسة مع محافظة الرقة ، بهدف فصل منطقة الجزيرة عن كوباني الكُردية. وقد سبق انشاء هذه المستوطنات الإستيلاء على أملاك عائلة إبراهيم باشا الملي, وصدرت فيما بعد قوانين إستكمالية منع بموجبها رخص السكن و شراء العقارات للكرد في منطقة تل ابيض ، لتشكيل حواجز بشرية عربية، كما مُرست نفس السياسات في منطقة جرابلس لتشكيل أغلبية عربية بين منطقتي عفرين و كوباني الكورديتيتن .
      كما انشأت مستوطنة قصرك في منطقة الدرباسية ومستوطنتي الزهيرية و الاحمدية في منطقة الديريك بمحاذاة نهر دجلة  .
في عهد الانفصال عام 1962ألغي قانون الإصلاح الزراعي و توقفت عمليات السيطرة على الأراضي الكُردية وبناء المستوطنات للعرب فيها ، إلا أن السياسات والمشاريع المناهضة للكرد لم تتوقف .
 بعد انقلاب آذار ومجيئ حزب البعث إلى السلطة عام 1963، صدر المرسوم التشريعي /88/ الذي أعاد الحياة الى قانون الإصلاح الزراعي المذكور مع إدخال بعض التعديلات. وجاءت في التعديلات المذكورة فقرة تقول : “ان الأفضلية بالإنتفاع في أراضي الاستيلاء هي للفلاح أو العامل الزراعي وحامل الشهادة الزراعية من أهل القرية اولا ثم من القرية الاقرب” ، لكن الممارسة الفعلية كانت عكس ذلك.
    رافقت عملية الإصلاح الزراعي جملة من القرارات الشوفينية و العنصرية والتي صدرت عن المسؤولين في دمشق والحسكة، هذه القرارات التي انتهت بإنشاء ما سمى بالحزام العربي في الجزيرة ، واستمر إستخدام هذه التسمية بشكل رسمي حتى عام 1966,بعد إنقلاب الجناح اليساري في حزب البعث، وسيطرته على السلطة عام 1967 تم تغيير الاسم الى (الحزام الأخضر) الا ان المضمون بقي كالسابق.
المساحات التي تم الاستيلاء عليها والتي خصصت لمزارع الدولة في محافظة الحسكة كانت كبيرة مقارنة مع باقي المحافظات السورية، مثلاً دمشق 614 هكتار ، حلب 167 هكتار ، الاذقية وطرطوس 300 هكتار، مجموع هذه المساحات والمخصصة لمزارع الدولة هي 1081 هكتار ، اما في الجزيرة وحدها 138853 هكتار، أي تساوي  130ضعف مجموع مساحات مزارع الدولة في المحافظات الاربعة.
الظروف والمقدمات التي أدت الى إنشاء الحزام العربي:
      يتذرع الشوفونيون العرب بأن  تأسيس الحزب الديمقراطي الكُردستاني في سوريا عام 1957, كان السبب الاول لإستيقاظ  الفكر القوموي العربي الشوفيني ، أما السبب الثاني هو قيام الثورة الكُردية بقيادة الزعيم الكُردي المرحوم ملا مصطفى البرزاني في كُردستان العراق 1961. وقد روج لهذه الفكرة بعض المثقفيين وبعض الشخصيات الكُردية المقربة من السلطة، مستغلين ظروف ضعف الحركة الكُردية.
حقيقة ميلاد الحزب الديمقراطي الكُردستاني في حزيران 1957 جاء بعد الدعوات العنصرية ضد الشعب الكُردي بسنوات ، وأيضا نتيجة الاجحاف بحق الكُرد وحرمانهم من ابسط حقوق المواطنة وحقوق الانسان ، رغم الدور المهم للشعب الكُردي في استقلال سوريا.
   في الواقع أفكار ومشاريع الشوفينيين العرب تعود الى ما قبل هذا التاريخ بكثير، تعود إلى ثلاثينيات القرن المنصرم، فزكي الأرسوزي الذي أصبح احد مؤسسي حزب البعث فيما بعد،  كان ينظر الى ثورة ابراهيم هنانو بعين الشك، حيث كان يعتبر ابراهيم هنانو اكثر خطرا من الفرنسيين لكونه كُردي، أما ميشيل عفلق المؤوسس الآخر لحزب البعث العربي وأمينه العام ، لم يرضى على ضم الكُرد في الحزب الإشتراكي العربي الذي كان يترأسه أكرم الحوراني عند توحيد الحزبين المذكورين ، وإنشاء حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1952.
    حزب البعث يرفض التعددية القومية، حيث أن المادة السابعة من دستوره ينص “  الوطن العربي هو البقعة من الأرض التي تسكنها الأمة العربية والتي تمتد ما بين جبال طوروس وجبال زاغروس والخليج العربي والبحر العربي وجبال الحبشة والصحراء الكبرى والمحيط الاطلسي والبحر المتوسط  “  انطلاقا من هذه المادة ومواد اخرى كالمادة 11 والمادة 15, يرفض حزب البعث وجود أي أرض غير عربية في تلك البقعة الجغرافية ، ويؤكد انه سيجلي عن الوطن العربي كل من دعا إلى تكتل عنصري ضد العرب ، كما انه وحسب هذا التعريف يطالب حتى بمناطق أمد ( ديار بكر) من أراضي كُردستان تركيا.
 
 يأتي الى جانب هذه الافكار المتطرفة و العنصرية الموقف التركي و الإيراني و العراقي العنصري تجاه الشعب الكُردي ، هذه الدول التي  تشارك سوريا في تقاسم كُردستان، وترفض الاعتراف بالهوية القومية الكُرد

المزيد


دراسة تاريخية الأكراد تحت الانتداب الفرنسي

حزيران 30th, 2008 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , الدراسات

إن دراسة تاريخ الشعب الكردي في سورية، شرط ضروري لفهم صحيح لواقع هذا الشعب الذي يعاني من الاضطهاد والحرمان على أرضه. وعلى ضوء الدراسات التاريخية، يمكن تشخيص الواقع و الانطلاق منه لتغييره نحو الأفضل. و بحدود إمكاناتنا المتواضعة نحاول المساهمة في البحث في

تاريخ شعبنا. وضمن هذا الإطار، رأينا من المفيد إعادة نشر دراسة مختصرة ومتواضعة، حول الوضع الكردي أثناء الانتداب الفرنسي في سورية. نرجو من القراء الأعزاء أن يبادروا إلى تصحح أخطاءنا، و تنشيط البحث العلمي عبر آرائهم ومقترحاتهم وانتقاداتهم.

أولاً:الوضـع العـام

كان الأكراد القوميون في كردستان الشمالية (تركية) منقسمين بين المطالبين بالحكم الذاتي، و المطالبين بالاستقلال، و لم ينل أي التيارين ما كان يصبو إليه، و استطاع مصطفى كمال إبعاد غير الأتراك عن الحكم. في حين أصبحت الحركة الكردستانية أكثر فعالية في قسميها الجنوبي و الشرقي (عراق و إيران.(

فرفض الشيخ محمود البرزنجي (1878-1956) أن تخضع الأقاليم الكردية في العراق للاحتلال الانكليزي عقب الحرب العالمية الأولى، و عندما حاول الانكليز تقليص نفوه في كردستان رفع الشيخ محمود السلاح في وجه الانكليز في 21 أيار 1919.

تمكنت القوات الانكليزية من السيطرة على كردستان العراق عقب معركة دامية بقرب من بندربازيان في 9 حزيران 1919. لكن في عام 1922 و إثر تغيرات في السياسة الإقليمية وافق الانكليز على إنشاء وحدة سياسية كردية و عاد الشيخ محمود الى السليمانية ليعلن نفسه ملكا على كردستان ،و اتخذ من السليمانية عاصمة لمملكته، و شكل حكومة من ثمانية وزراء، و اعترفت بها الحكومتان العراقية و البريطانية في 22 كانون الأول 1922(1). بقيت هذه المملكة حتى حزيران عام 1924 عندما زحفت القوات العراقية المدعومة بالطيران الانكليزي على كردستان للقضاء على هذه الدولة الكردية الفتية.

أما في كردستان الشرقية، فكان قد استطاع إسماعيل آغا الشكاكي أن يسيطر، من عام 1920 حتى 1930، على أغلب الأقاليم الكردية في إيران، و كان يطالب باستقلال كردستان كاملة (2).

في غدوة الحرب العالمية الأولى، و بشكل أدق في 16 حزيران 1920، قدم الأمير أمين عالي بدرخان (زعيم التيار الاستقلالي الكردي آنئذ) إلى المفوض العام الفرنسي في اسطنبول مذكرة قال فيها ” لنا نفوذ كبير في كردستان، و خاصة في القسم الذي سيقع تحت الانتداب الفرنسي (3)، ذلك النفوذ الذي يمكن لحكومتكم أن تستخدمه من أجل الوصول إلى الهدف الذي ليس سوى ضمان السلم و الرخاء في كل البلاد التي تسيطر عليها” (4).

احتل الجيش الفرنسي دمشق في 23 تموز 1920 بقيادة الجنرال غورو، الذي ذهب في اليوم الثاني الى ضريح صلاح الدين الأيوبي في الجامع الأموي، من أجل أن يناديه قائلا ” ها نحن يا صلاح الدين قد عدنا ” و كان هذا رداً على صلاح الدين الذي قد قال للصليببين ” إنكم خرجتم من الشرق و لن تعودوا إليه” (5). فجرح خطاب غورو شعور الأكراد و خاصة وجهاء العشائر ذو الأغلبية المسلمة، و عزز هذا الخطاب خشية الزعماء الأكراد المحليين من فقدان نفوذهم بين السكان فيما اذا استلمت دولة قوية مثل فرنسا زمام الأمور، و اتخذت سياسة مركزية في الحكم.

كانت إجراءات تعيين الحدود بين الفرنسيين و الأتراك و الانكليز، تثير سخط الأكراد الذين كانوا يشعرون بالضرر من إقامة الحدود التي تقسم عشائرهم و ممتلكاتهم و تعرقل تجارتهم. إضافة إلى ذلك كان قد يئس الأكراد من السياسة الفرنسية في مؤتمر السلم فيما يخص الأقاليم الكردية المخصصة لفرنسة، تلك السياسة المتعارضة مع الوحدة الكردية و مع النشاط الاقتصادي في كردستان.

ساهمت هذه العوامل، القومية و الدينية و الاقتصادية في انتفاض الشعب الكردي ضد السلطات الفرنسية.

ثانياً:انتفاضة إبراهيم هنانو

إبراهيم هنانو، و هو من عائلة كردية، كان يقيم في جبل الزاوية الواقع في الجنوب الغربي من حلب، استطاع إبراهيم هنانو، و بالاتفاق مع بعض زعماء العشائر الكردية الأخرى، و خاصة مع مصطفى آغا من فريرية (6)، استطاع أن يشكل أربع فرق عسكرية، أغلبها من الفلاحين الأكراد، و أعلن رسميا الثورة على الفرنسيين في 16 أيلول 1920 (7).

أصدر هنانو بيانا الى الشعب قال فيه ” قد سلّطت فرنسا جيوشها، ناقصة العهود، ونابذة الوعود، و سودت وجه تاريخها، مدّعية بأنها جاءت لمساعدتنا و إرشادنا، و حفظ حياتنا و استقلالنا، وما ادعاؤها هذا إلا كذب و بهتان …، لقد حاربنا في صفوف الحلفاء وثرنا على الحكم التركي، فماذا كانت النتيجة، لقد خاننا الحلفاء و تنكروا لقضايانا و داسوا و هزئوا بدمائنا و دماء شهدائنا دون أي ذنب جنينا، سوى مطالبتنا بالحفاظ على حريتنا و كرامتنا”(9).

ودارت معارك طاحنة دامية ذهب ضحيتها عدد كبير من الفلاحين المنتفضين تحت قيادة هنانو، نتيجة تصديهم لزحف القوات الفرنسية على المنطقة، و بالمقابل، استطاعت المقاومة أن تلق الهزيمة بالقوات الفرنسية في أكثر من موقع و أن تكبدها خسائر فادحة في المعدات و الأرواح، مما اضطر الحاكم الفرنسي (غورو) أن يعزز تحشدات قواته العسكرية، و استطاع بذلك أن يخمد انتفاضة هنانو، مما اضطر هذا الأخير أن يلجأ إلى القدس بغية طلب المساعدة من ملك الأردن عبد اللـه بن الحسين ، و للأسف

ذهبت مساعي هنانو بدون جدوى، و هناك ألقت القوات البريطانية القبض عليه، و سلمته إلى الحاكم الفرنسي في سورية، و تمت محاكمته أمام مجلس عسكري فرنسي.

و في دفاعه أمام هذا المجلس قال هنانو: ” لقد طلبت من الجنرال غورو أن يستفتوا الشعب استفتاء حراَ ليقرر مصيره بنفسه، فلماذا لم تفعلوا ذلك. كنتم تدركون تماما أن الشعب يرفضكم و يطالب بالحفاظ على استقلاله و أنتم غرباء عن هذا البلد، معتدون و لاحق للمعتدي الغاصب أن يحاكم الأبرياء” (10)، و تحت الضغط الجماهيري اضطر المجلس العسكري إلى إخلاء سبيل هنانو.

في عام 1925، حثّ هنانو السكان، من جديد، على الانتفاض ضد الفرنسيين في منطقة جبل الزاوية، و أشاد علاقات متينة مع قادة انتفاضات العلويين و الدروز، و بذلك استطاع هنانو، مع كل من القادة الشيخ صالح العلي و سلطان الأطرش أن يزعزعوا الحكم الفرنسي العسكري في سورية و إجبار فرنسا على تغيير سياستها من المصادمة و الحكم العسكري المباشر إلى سياسة الخداع و المساومة، وقع إبراهيم هنانو مريضا في عام 1935، و توفي في عام 1936.

بقي هنانو، إلى أخر أيامه، مخلصا لوطنه، مضحيا بما لديه من إمكانيات متواضعة، معتبرا الكفاح الجماهيري المسلح الأسلوب الصحيح و الفعّال للتحرر، و كان أشد ما يثير سخط هنانو، هو تعاون بعض السياسيين (البرجوازية التجارية و بعض الملاّكين العقاريين) مع الفرنسيين، ولجوئهم إلى أسلوب المساومة مع المستعمر على حساب المصلحة الوطنية(11).

ثالثاً:احتلال الجــزيرة

بشكل عام، عندما طردت فرنسا الملك فيصل بن الحسين من سورية، ولد عند العشائر العربية حقد معاد لفرنسا، إذ أن هذه العشائر لم تكن تفهم اللعبة الدولية، بقدر ما كانت تفهم المسير اليومي للأحداث المحلية، و لم تكن قادرة على استيعاب الاتفاق الانكليزي الفرنسي على ما جرى من تبادل في مناطق النفوذ، فاحتفظ أغلب شيوخ هذه العشائر العربية بولائهم للهاشميين و الانكليز. كان يتوجب منطقيا أن يكون هؤلاء الشيوخ العرب ضد توسع الجيوش الفرنسية في المنطقة الكردية (الشمالية)، لكن لم تثبت الأحداث هذه الفرضية المحتملة.

ففي المنطقة الكردية، لم تكن توجد عشائر عربية مستقرة، إلا أنه كانت تصل بعض العشائر العربية مع قطعان مواشيها (طلبا للرعي) إلى بعض المناطق الجنوبية من الجزيرة، و كانت تطمع في الاستيلاء على هذه السهول، و الانتشار نحو الشمال الخصب، و لكنها كانت تواجه عقبة الوجود الكردي المستقر، و وجدت في دخول القوات الفرنسية إلى الجزيرة الفرصة المناسبة لتحقيق آمالها، فرغم احتفاظ أغلبيتهم بولائهم للهاشميين و الانكليز، اتخذ القسم الأكبر من شيوخ عشائر العرب موقفاً مؤيداً و مسانداً للقوات الفرنسية، في حين أن بعض العشائر فضلت اتخاذ موقف مزدوج، بحيث يتخذ أحد أو بعض زعماء العشيرة موقفا مؤيدا للفرنسيين، و يتخذ البعض الآخر من نفس العشيرة، موقف الحليف للأكراد.

أما الأكراد فقد كانوا ضد الانكليز الذين كانوا في حالة حرب ضد الشيخ محمود، و كانوا ضد الفرنسيين المتفقين مع الأتراك.

فمن أجل القضاء على انتفاضة الشيخ سعيد بيران، التي اندلعت عام 1925 في منطقة دياربكر “طلبت السلطات التركية في بداية شهر آذار من الحكومة الفرنسية، السماح لها بمرور أربعة قطارات يوميا على الخط الحديدي بغداد، من أجل نقل من 20.000 حتى 25.000 رجل مع عتادهم إلى ساحة العمليات” (12)، و في نهاية أيار 1925 “طلبت الحكومة التركية مرة أخرى من الحكومة الفرنسية، السماح لها بمرور تعزيزات عبر سورية على الخط الحديدي بغداد” (13)، و ساعد هذا الموقف الفرنسي المعادي للأكراد، في انتعاش الروح القومية و تعزيز إرادة المقاومة عند أكراد الجزيرة أثناء احتلالها من قبل القوات الفرنسية.

بعد انهزام القوات العثمانية أمام الحلفاء، بقيت الجزيرة الكردية خاضعة لسلطة زعماء عشائرها، و رغم المحاولات الفرنسية في بسط نفوذها على هذه المنطقة منذ عام 1922، فانها لم تتمكن من ذلك.

دخلت القوات الفرنسية إلى الجزيرة في حزيران-تموز 1925 بقيادة روكان، و استقبله مشعل باشا الجربا، أحد شيوخ عشيرة شمر العربية، و قدم له عناصر عشيرته و أمده بما لزمه من مؤن و دواب.

اتجه روكان و أنصاره نحو مدينة نصيبين المحتلة من قبل تركية، و شيّد في جنوبها ثكنة عسكرية بنيت حولها،فيما بعد، مدينة القاشلي الحالية. أما عشيرة الطي العربية، فانقسمت في ذلك الوقت الى جماعتين، كانت الجماعة الأولى بزعامة شيخ العشيرة نايف عبد الرحمن، الذي وقف الى جانب الفرنسيين و ساندهم بكل ما لديه من إمكانيات، في حين تزعم الجماعة الثانية أخو شيخ العشيرة محمد عبد الرحمن، الذي تعاون مع العشائر الكردية في مقاومة الاحتلال الفرنسي (14).

تمركز الفرنسيون في قرية بيان دوور، التي تبعد حوالي 17كم عن مدينة القامشلي، و أقاموا مركزا إداريا بدرجة قائم مقام لإدارة المنطقة و تطبيق الأوامر الفرنسية على السكان، و جباية الضرائب و تم تعيين جاسم أفندي لإدارة هذا المركز. مما أثار سخط زعماء العشائر المحلية و عزز كره الفلاحين للقوات الفرنسية وعملائهم، فاشتدت المقاومة ضد الفرنسيين، و شكلت العشائر مجموعات مسلحة لإرهاب “الإدارة الفرنسية” و زعزعة تشكيلاتهم و تخويف عملائهم، و كانت هذه المجموعات تغير ليلا على مركز القائم مقاميه في بيان دوور، و تعمل قتلا و نهبا كلما أمكن، و في إحدى غاراتها تمكنت من إصابة جاسم أفندي بجراح خطيرة.

شنت السلطات الفرنسية حملة شرسة ضد الأكراد ووجهائها المحليين، فاعتقلت خليل أحمي مختار بيان دوور (15)، و عباس آغا محمد عباس مختار قرية محركان، وتوفي الاثنان أثناء التعذيب الذي تعرضا له على يد السلطات الفرنسية. في حين اضطر بعض زعماء العشائر الالتجاء إلى مناطق كردية أخرى، كان الفلاحون يتصدون بشجاعة للحملات القمعية الفرنسية،فاستشهد الكثير منهم أثناء الاشتباكات المسلحة، و أصبحت الاعتقالات من الإجراءات اليومية التي تعودت عليها كل القرى الكردية تقريبا، بينما كانت القبائل العربية الحليفة للأكراد، تنال قسطا أقل من القمع الفرنسي، وذلك أولاً لكونها غير مستقرة، تمتاز بإمكانية أكبر في التحرك و الانتقال، و ثانياً لكون أغلب عناصر القوات الفرنسية من العشائر العربية الموالية لها، كان قادة الاحتلال يفضلون كسب هؤلاء العرب المناهضين لهم عن طريق المساومة، بدلاً من إخضاعهم بالقوة و القمع.

اشتدت روح المقاومة عند الفلاحين نتيجة الاعتقالات الكثيفة، و وقوع عدد كبير من الضحايا، و إصرار الفرنسيين على جمع الضرائب على المحاصيل الزراعية و الماشية، فانتقل الفلاحون من الموقف السلبي المدافع إلى موقف المبادرة في مقاومة الجيش الفرنسي.

وفي 1926، اتخذت المقاومة من قرية تل شعير مركزا لها، و خططت للهجوم على ثكنة بيان دوور العسكرية،و من أجل ذلك استطاع الأكراد تحقيق أفضل تعاون فيما بينهم من جهة، و التفاهم مع بعض قبائل الطي (جماعة الشيخ محمد عبد الرحمن، (و الجوالة من جهة أخرى، وتم تشكيل مجموعة مسلحة مؤلفة من فلاحين أكراد هم عباس مراد، عبدو تيمار، علي عبد المجيد وتيمار، حسو عبد اللـه و شباب آخرون من الجهة الجنوبية، و كان يقود الهجوم من جهة الشرق حاج حسو طيار،وكان أول هجوم فلاحي استمر حتى مساء يوم التالي (16)، و سقط العديد من الفلاحين شهداء في هذا الهجوم، لكن تمكنت المقاومة من احتلال الثكنة مكبدين الفرنسيين أشد الخسائر في الأرواح و المعدات،في حين لاذ ما تبقى من الجنود الفرنسيين بالفرار و لجئوا مع قائدهم روكان إلى مشعل باشا الجربا و بعض قبائل الطي التابعة للشيخ نايف عبد الرحمن.

كان روكان و جنده قبل معركة بيان دوور، يرغبون في الذهاب إلى يثين خابور على الحدود العراقية - السورية، لاحتلالها و تشكيل أجهزة إدارية-عسكرية فيها، ومن أجل ذلك، كان روكان بحاجة إلى بعض عناصر كردية لتتعاون معه كدليل و لتساعده في مهمته، و بعد أن فشل في كسب التأييد عن طريق الإرهاب، لجأ إلى أسلوب الإغراء بالمال و الوعود، واستطاع بذلك أن يستغل بعض الفقراء الفلاحين مثل علي مستو أوسي و حسن هزو من قرية حلوة، و سيد طاهر من بيان دوور، و رافق هؤلاء المرتزقة الفرنسيين في زحفهم على يثين، فتصدت لهم قوات الم

المزيد


قراءة مختصرة في أدبيات الأحزاب الكردية السورية (حول عوامل الاتفاق والاختلاف وبعض المقترحات) الحلقة ا

حزيران 30th, 2008 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , الدراسات

محمد قاسم

أين المشكلة إذا..؟
كما تبدى لي فإن المشكلة تتجسد في أمرين اثنين – إذا أحسنا النية اتجاه قيادات الأحزاب أو الأصح بعضها من ذوي التأثير-:
1- عدم اعتماد المصطلحات نفسها في التعبير، يربك الفهم ويوحي باختلاف …وخاصة أن اللغة المعتمدة في كتابة الأدبيات الكردية الحزبية وخاصة الجرائد المركزية والبيانات …الخ هي : اللغة العربية-أساسا - (ذات المفردات الكثيرة والواسعة والطبيعة الأدبية العائمة نسبيا)(14) مما يجعل الاستعانة  بمختصين لغويين إضافة إلى مختصين في ميادين مكملة (فلسفة- علم النفس- علم الاجتماع- علم السياسة- علم الاقتصاد…الخ) ضرورة لحسن الصياغة؛ لمختلف الأفكار والضوابط وغيرها.
مع الحرص الدائم على اعتماد المصطلحات  والكلمات نفسها، للتعبير عن المعاني نفسها، بأقصى درجات الضبط الممكنة، لاسيما وأن مفاهيم السياسة تستعصي-أحيانا- على الضبط الدقيق (أو على وحدة الفهم لها) وهذه من طبيعتها، وعلينا السيطرة عليها ما أمكن.
ولذا فعلى من يمارس السياسة أن يمارس الثقافة بقوة وعناد، وباستمرار، لمتابعة المستجدات فيها علما.. مصطلحات.. أحداثا..  تغيرات..الخ.
 ومن المؤسف أن هذا ليس متوفرا في الأغلبية الساحقة من الذين يديرون العملية السياسية –الحزبية- كرديا –  في سوريا من موقع التأثير الفعلي،مع بعض فروق فردية..بالطبع. ويبدو أنه ليس لدى هذه القيادات الحزبية الكردية،الوقت-الفراغ- للقراءة والمتابعة.!
.إنهم مهتمون بممارسات اجتماعية ذات طابع متخلف كالمظهرية في العلاقات، والالتهاء بمناسبات العزاء والتي جعلوا منها بديلا حقيقيا عن العمل النضالي،فهم يهتمون بكسب القلوب –حسب ظنهم- ولا يحقق ذلك كسبا للقلوب ،ولكنه يوفر أشكالا من العلاقات المسببة لتراجع أدائهم الحزبي..وتمضية الوقت فيما لا يفيد العمل النضالي،وإنما يلهي الكوادر عن الأساسي المطلوب..ولان هذه الممارسات الاجتماعية تستجيب لسيكولوجية الشريحة-أو الطبقة- البرجوازية والإقطاعية –مع التحفظ على دقة المصطلحات هنا – فإن هذه القيادات تجري في مسالكها ،ويتحول أداؤها اجتماعيا إلى خدمة لهذه الشريحة -الطبقة- والتي هي في موقع مترجرج قوميا.. فقدم مع التوجه القومي بحكم انتمائهم العرقي، وقدم مع السلطات بحكم نمط التربية وطبيعة المصالح المرتبطة بتعاون السلطات معهم،وذلك لتحقيق ما يصبون إليه من المظهرية ومتطلباتها ومنها السيطرة على جماهيرها وإخضاعهم لنمط إدارتهم المتخلف –قياسا لقيم العصر-
2- ضبابية العلاقة بين الجانب النظري (الفكري) من العمل السياسي ، أو ما يمكن تسميته بـ(التنظير) و بين الجانب التطبيقي أو العملي (ترجمة النظري إلى واقع).
أو بعبارة أخرى: غموض الرؤية في علاقة (النظري) بـ (الممارسة العملية)للسياسة، وبالتالي، فإن تعبير (النضال السياسي) -وغيره أيضا- يفتقر إلى وضوح يحصره ضمن حالة اصطلاحية تجعله يوحد الفهم والدلالة لدى الجميع، إضافة إلى غياب نظرية سياسية واضحة ومتكاملة … وعلى الرغم من محاولة البعض ممارسة تطبيقية لبعض ما هو نظري من المناهج والبرامج ومنها الخروج إلى الشارع-مثلا- في مظاهرات احتجاجية، إلا أن هؤلاء انطلقوا من نوع من المنافسة الحزبية لاستقطاب المشاعر أكثر منه تطبيقا للبرامج، فجاءت خطوتهم اقرب إلى الارتجالية،وعدم تقدير النتائج ..خاصة أن هذا العمل يحتاج إلى دراسة معمقة، وخطوات موزونة، وقدرة على ضبط السلوك…- مع مالها من تقدير وأهمية في تنشيط حيوية الذهن، والالتزام العملي بالنضال،واكتساب خبرة التظاهر السلمي، وتحقيق نوع الضغط السياسي أيضا ضمن حدود مدروسة الانعكاسات..!
إن وجود مختصين تكون مهمتهم- بالدرجة الأولى- عملية فنية، تتجلى في توفير المصطلحات ذات الدلالة المحددة ، وتوحيد استخداماتها، سيساهم في التقريب بين الجميع، في  درجة  الفهم، وصيغ الاستخدام (أي إيجاد معايير في الفكر والعمل).
وهذا سيساهم –برأيي- في معالجة إشكالية العلاقة بين النظري والعملي- غالبا-
ذلك لأن القبول بهذه الخطوة، يعني القبول بالأسلوب العلمي (الدقيق) في العمل بدلا من الارتجال ، ومن ثم القبول بإعادة النظر في (أسس الفكر والعمل) باستمرار لدى الأحزاب السياسية الكردية، لصياغة جديدة، تتجاوز الحالة القائمة، والتي نرى لها تأثيرا لا يستهان به، في غموض الرؤية، وضبابيتها، في هذا الإطار، وذلك لبلوغ الجميع إلى تصورات مشتركة (مبدئية) للعمل السياسي وما يتصل بها (أحزابا وأفرادا).
بتقديري فإن تكليف مختصين بدراسة عن الكرد، تتناول تاريخهم ، وتكوين شخصيتهم عبر التاريخ بأبعادها النفسية والثقافية والاجتماعية…الخ، ومن ثم تشخيص (الحالة الواقعية) لما هم عليها، سيكون جهدا مفيدا وذا جدوى، في إيجاد انسجام في الأرضية التي تشكل قاعدة الانطلاق للعمل السياسي الكردي.
إن هذه الدراسة والتي يمكن تسميتها بـ : 
{دراسة استكشافية تحليلية لواقع الشعب الكردي تاريخيا وراهنا في سوريا}
ويمكن أن تساهم في صياغة ذات بعد إيديولوجي سياسي:
    1 -  تتناسب مع واقع الكرد فكرا وتكوينا نفسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا…الخ بشكل عام.
 2 – تتناسب مع العقلية الثقافية – إن جاز التعبير-والسائدة سياسيا، لدى أوساط غير كردية (داخل الوطن السوري) ونظرتها إلى الشعب الكردي، ومرتكزات هذه النظرة… ؟!
    3-  تتناسب مع الدور العالمي- والإقليمي- الذي يمكن أن يستفيد الشعب الكردي منه:
        أ-  عبر دعم الأطروحات والمطالب الكردية المشروعة.
      ب-  عبر توفير الحماية الأدبية للعملية النضالية الكردية، من المتفهمين لها، والمتعاطفين معها، وأيضا استثمار العلاقات

المزيد


خمسونَ عاماً نزدادُ خراباً وشقاقاً وبؤساً سياسيَّاً كرديَّاً سوريَّاً!.

حزيران 30th, 2008 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , الدراسات

هوشنك أوسي

قبل حلول الرابع عشر مع حزيران من كلِّ عام، يشهدُ الحراك السياسيُّ الكرديُّ في سورية، إسهالاً وسيلاناً مرعباً في إصدار البيانات الحزبيَّة، تضجُّ وتعجُّ بها المواقع الإلكترونيَّة الكرديَّة السوريَّة!. تجتمع هذه البيانات الحزبيَّة على التهنئة والتبرك بمناسبة حلول هذه “الذكرى المباركة والمجيدة”، ذكرى تأسيس أوَّل حزب كردي في سورية سنة 1957!، وتختلف هذه البيانات الحزبيَّة على تنصيب أحزابها بأنها الامتداد الشرعي لذلك الحزب!. بمعنى، كل حزب كردي سوري، يعتبر نفسه النسخة الأصل للحزب الكردي الوليد سنة 1957، وباقي الأحزاب الأخرى، هي نُسخ مقلَّدة، مغشوشة!. وعليه، “احتفل” الشعب الكردي في سورية، بمعيَّة أحزابه الكرديَّة العتيدة، بهذه المناسبة، هذا العام، والحراك السياسيُّ الكرديُّ السوريُّ، في أكثر مراحله سوءاً وبؤساً وخراباً وعطباً وفوضى وعطالة…!.

يعزو بعض المراقبين الكُرد السوريين هذه الحال المزرية للأحزاب الكرديَّة، كونها نتاج مجتمع كردي متخلِّف، وضمن جملة من الظروف الموضوعيَّة الضاغطة، المعرقلة لولادة صحيَّة للتعبير السياسي الكردي الأوَّل في سورية، فضلاً عن حالة القمع والاستبداد الممنهجة، المطبِّقة من قبل النظام السوري والحكومات المتعاقبة على المجتمع الكردي في سورية، التي أسهمت في التفريخ والتفقيس العشوائي لكمٍّ كبيرٍ من الأحزاب الكرديَّة!. وهذا الرأي، كان سينال نصيبه من الصواب، لو كانت حالة القمع والمشاريع العنصريَّة (التي وصلت لحدِّة الإبادة العرقيَّة) في العراق، والاضطهاد وسياسات الصهر القومي في كلّ من تركيا وإيران حيال الأكراد، أخفُّ وطأة من التي مورست وتمارس في سورية على الأكراد. فرغم الفظائع والجرائم الوحشيَّة التي ارتكبت بحقِّ أكراد العراق وتركيا وإيران، إلا أن الأكراد هناك، أنتجوا أحزاباً سياسيَّة، قادت ثورات، وحققت إنجازات، إلى حدٍّ ما!. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أوَّل حزب كردي في سورية، تأسَّس في أهم حقبة من تاريخ سورية المعاصر. وأقصد، ما سمِّي بـ”العهد الوطني”، حيث الحياة البرلمانيَّة والتعدديَّة وحريَّة الصحافة. ومن أسَّس ذلك الحزب، هم نخبة المجتمع الكردي “مثقفون، قوميون، يساريون، متديّنون، شخصيَّات وطنيَّة…”. وتأسَّس هذا الحزب في العاصمة السورية دمشق، وأعلن عنه في حلب. يعني، الحزب الكردي الأوَّل، لم يكن نتاج حقبة متخلِّفة أو مجتمع متخلِّف، وأسَّسه أناس متخلِّفون، إلا أن الولادة كانت مشوَّهة، بحيث لم تكن كرديَّة سورية صرفة بالأساس والأصل.
                   
ولئن المصادر التي أرَّخت لتلك المرحلة، لا زالت شحيحة، فضلاً عن تكتُّم البعض من الرعيل الأوَّل من الساسة الكرد السوريين عن بعض تفاصيل نشأة الحزب الكردي الأوَّل في سورية سنة 1957، تبقى الشبهات حول نشأة هذا الحزب قائمة، وبحاجة للمزيد من التدقيق والتمحيص والتنقيب والاستدلال. ثمَّة فرضيَّة تقول: إن الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، طلب معونة ومساندة التيارات القوميَّة الحاكمة في سورية، لموجهة النظام الملكي في بغداد. وقد كان جلال طالباني وقتها، عضواً في اللجنة المركزيَّة للحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، بزعامة القائد الراحل الملا مصطفى بارزاني، ولديه علاقات جيَّدة مع القوميين العرب في سورية ومصر، من ناصريين وبعثيين. فوافقت التيارات القوميَّة العربيَّة على دعم الحركة الكرديَّة في العراق، لموجهة نظام نوري السعيد، وحلف بغداد، بشرط أن يؤسِّسوا حزباً كرديَّاً في سورية، يكون مهمَّته إثارة القلاقل في تركيا، التي كانت أحد أقطاب حلف بغداد، وعلى علاقة بإسرائيل، وحليفة أمريكا. وعليه، بدأ كل من طالباني وعبدالرحمن ذبيحي (ناشط سياسي كردي إيراني)، وبعد أن أخذوا الضوء الأخضر من عبدالحميد سرَّاج (كان مسؤولاً أمنيَّاً، قبل أن يصبح ناب عبدالناصر في عهد الجمهوريَّة المتَّحدة، سنة 1958) بدأوا بالاتصالات مع النخب السياسيَّة والثقافيَّة الكرديَّة السوريَّة. وخلُصت هذه الاتصالات، لتشكيل حزب، حمل اسم “الحزب الديمقراطي الكردستاني السوري”. وكان شعاره “تحرير وتوحيد كردستان”. ما يعزز هذه الفرضية، هو إيفاد الحزب، للشيخ محمد باقي ملا محمود إلى كردستان تركيا، لتشكيل خلايا الحزب هناك، والتواصل من التعبيرات والشخصيات الكرديَّة في تركيا. بالإضافة إلى أنَّ في زمن دولة الوحدة بين سورية ومصر، كانت الأحزاب محظورة، إلا أنَّ الحزب الكردي، كان ينشط، بشكل شبه علني!. لكن، سرعان ما انقلبت الطبقة الحاكمة في سورية سنة 1960 على الحزب الكردي. بعد زوال مبررات وجوده. وهي زوال النظام الملكي في بغداد، وإبطال مفعول حلف بغداد, وإعلان الملا مصطفى بارزاني الثورة على النظام العراقي سنة 1961، والخشية من أن تنتقل العدوى الكرديَّة لكردستان سورية!. وعليه، تمَّ اعتقال كافة قيادات هذا الحزب، بشكل سريع، وهذا يعني أنَّ الحزب الكردي السوري، كان مكشوفاً لدى السلطات السوريَّة آنئذ!. وتأسيساً على تلك الفرضيَّة، لم تكنْ الولادة السياسيَّة الكرديَّة الأولى في سورية سنة 1957، صحيَّة وسليمة على الصعيد الوطني السوري!.
هذه الفرضيَّة التي أميل إليها، تعززها وتدعمها ما جاء في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب “مسألة كردستان/60 عاماً من النضال الكردي المسلح ضدّ العبوديَّة”، لقدري جميل باشا، (زنار سلوبي)، طبعة عربيَّة ثانية، بيروت 1997، تنقيح وتقديم البروفيسور عزالدين مصطفى رسول. حيث كتب الأخير في مقدِّمة هذه الطبعة ما يلي: (كانت سورية في عام 1956 تعيش عهداً عرفناه نحن بالعهد الوطني والديمقراطي. إذ كانت تقف شامخة ضد حلف بغداد، وتفتح صدرها للوطنيين العرب، وتساعد المعارضين للحكومات المرتبطة بالغرب الاستعماري… ص 17. وفي عام 1957، كان جلال الطالباني قد وضع اللبنات الأولى للحزب الديمقراطي الكردي في سورية قبل سفره للغاية نفسها إلى موسكو. وأنهى اللمسات الأخيرة عودته من موسكو، ومغادرته سرّاً إلى العراق… ص 17. عندما فتحت الإذاعة الكردية في القاهرة، كنا نذهب (قدري جان وأنا) إلى موقع السفارة المصريَّة (هيئة تنسيق الوحدة)، ونسجِّل مواد إذاعيَّة، كانت ترسل للقاهرة يومياً…ص 19. في العام 1957، أقام السيد جلال الطالباني معنا ما يقاب العام، قبل وبعد سفره إلى موسكو. وكان على اتصال مع جميع الوجوه الكرديَّة. وعمل على تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سورية… ص 19). كما ذكر الكاتب والباحث العراقي صلاح الخرسان في كتابه الضخم “التيارات السياسيَّة في كردستان العراق/ قراءة في ملفات الحركات والأحزاب الكردية في العراق 1946 _ 2001″ ط 1: 2001؛ مؤسسة البلاغ للطباعة النشر _ بيروت، كتب ما يلي: “كان جلال طالباني قد توجَّه أواخر عام 1957 إلى موسكو ليمثل البارتي في مهرجان اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي (…) وخلال عودته السرَّية إلى العراق، وكانت عن طريق سورية، التقى جلال طالباني في دمشق بالكل من كمال فؤاد والدكتور عبدالرحمن الذبيحي، وهما من كوادر البارتي، حيث قام الثلاثة بزيارة العديد من السياسيين السوريين، منهم ميشيل عفلق، عميد حزب البعث العربي الاشتراكي، وعن تلك الزيارة يقول طالباني: “عند زيارتنا للأستاذ ميشيل عفلق، تحدث معنا بعموميات، لم نفهم منها شيئاً”. كما قاموا بزارة أكرم الحوارني، رئيس البرلمان السوري، والعقيد عبدالحميد السراج، رئيس المكتب الثاني (الاستخبارات العسكريَّة)، وكان من أنصار الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ومن رجالاته في سورية. وقد دار حديث خلال اللقاء (ويقصد السراج) كما يورده الطالباني بالقول: “طرحنا عليه فكرة العمل المشترك، ومهمة ترتيب اللقاء بين الرئيس جمال عبدالناصر والملا مصطفى بارزاني عند زيارة الرئيس إلى الاتحاد السوفياتي، من أجل الاتفاق بينهما على العلاقة العربيَة _ الكرديّة، والأوضاع في العراق. في حين، دعا عبدالحميد السراج إلى تركيز نشاط الأكراد السوريين على العمل والتوجُّه إلى داخل تركيا، وهي الخطَّة السارية حاليّاً، على اعتبار أن أكثريَّة الأك

المزيد


التنظيمات السياسية الكردية في سورية من عام 1956 وحتى عام 1986

أغسطس 13th, 2007 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , الدراسات

بقلم: فرج نمر

قبل كل شيء, وأنا أكتب هذه المحاولة التواضعة, أريد أن أذكر بأن الكتابة في   التاريخ الكردي مهمة صعبة ولكن المساهمة في صنعه أصعب, وأراني ملزماً بالانحناء أمام كل من ساهم صادقـاً في العمل من أجل رفع الغبن عن شعبه, وبالاسلوب الذي رآه مناسباً. اطلب العذر ان أغفلت حقيقة أو أخطأت, وأملي هو أن يصحح القارىء ما قد يراه من أخطاء.  إن تطور الحركة الوطنية الكردية تخضع و تتبع ثلاثة عوامل أساسية, أولا: العامل الداخلي البنيوي الذي يتعلق بالبنية الجيو-سياسية و الاجتماعية للمجتمع الكردي. ثانيا: العامل الكردستاني, حيث أن أي تغير في أي قسم من كردستان, يعكس آثاره على الأقسام الأخرى. و ثالثا: العامل الخارجي المتعلق بالتطور العام في الدول التي تقتسم كردستان من ناحية و متعلق بتطورات السياسة الدولية في المنطقة من ناحية أخرى.

إذاً, على ضوء هذه العوامل سنحاول ايجاز تطور و بيان وضع الحركة الوطنية الكردية المنقسمة الى درجة أن أكثر السياسيين اطلاعا لا يمكنه التحكم و الالمام بتفاصيلها, و لا سيما و أنه لم يبحث أحد في شموليتها مما يزيد مهمة الباحث صعوبة.

        ومنذ البدئ, نريد أن نقول بأن أغلبية التنظيمات الكردية تطالب بالحقوق القومية والثقافية للأكراد, كما تطالب بمشاركتها في مؤسسات الحكم, وعند حديثنا عن كل تنظيم سنحاول بيان ما يميزه عن غيره ايديولوجيا أو ساسيا.

        أن طبيعة موضوع هذا البحث يفرض تبني المنهج التاريخي-التحليلي في البحث, و لذلك سنتبع خطة منبثقة من التطور التاريخي للحركة السياسية الكردية.

نذكر, بأننا عند الحديث عن التنظيمات الكردية, نحاول مراعاة الاعتبارات الأمنية من ناحية, وتثبيت المواقف و الحوادث السياسية للتاريخ من ناحية ثانية.ولانريد أن ندخل في تفاصيل اعتبرناها  لا تستحق الذكر اما لأنها معروفة من قبل العامة أو لأنها قد تمس بعض الأشخاص في ذاتهم.

 

الانطلاقة و الصدمة

تم تاسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية(البارتي) عام 1956 , من قبل اوصمان صبري وحميد درويش, ثم انضم اليهما حمزه نويران و رشيد حمو, و محمد علي خوجه وخليل محمد, و شوكت حنان, وبعد استشارة كل من نور الدين ظاظا و جلال الطالباني تم اعلانه بشكل رسمي في 14 حزيران 1957 . واتصالاتهم مع الشيخ محمد عيسى ملا محمود كانت أكيدة منذ البدايات. و حسب ما أكده لنا اوصمان صبري فان البارتي كان يطالب ويعمل من أجل تحرير و توحيد كردستان.

في 12 آب عام 1960تعرض أغلب قياديي البارتي للاعتقال, دخلت الحركة الوطنية الكردية في سورية في مرحلة جديدة.

في هذه المرحلة, وبسسب الاعتقالات و الملاحقات, تعرفت النخبة السياسية القومية على مدى قدرتها الفعلية على تحمل أعباء المهام النضالية التي كانت باقية حتى ذلك الحين ضمن الاطار الكردي  والاجتهاد النظري.

لقد أعطت هجمة السلطة  الفرصة للقيادة في تقييم جديد للواقع حسب الامكانيات الكردية ووفق ظروف العناصر القيادية ومدى التجاوب الشعبي و الظروف الكردستانية وطبيعة السلطة وسياساتها الكردية. ولجأت القيادة الى اعادة النظر في حساباتها السياسية و الادائية حسب تقييماتها الجديدة.وكل هذه التطورات ساهمت فيما بعد 1961 في زرع بذور الشقاق في الأوساط القيادية الكردية.

فقد اصبح اسم التنظيم الحزب الديمقراطي الكردي في سورية(البارتي), و تم التركيز بشكل أكبر على التطورات السياسية في كردستان العراق. فكان البارتي يوجه بالدرجة  الاولى دعايتة السياسية لدعم ثورة أيلول بقيادة ملا مصطفى البرزاني. في حين لم يستطع البارتي تحقيق أي مكسب سياسي لأكراد سورية.فاستطاعت السلطات العربية السورية برمجة وتنفيذ سياساتها ضد الأكراد بنجاح قل ما له مثيل في التاريخ المقارن.  

 

 

انشقاق البارتي.. يسـار و يمـين

أول انشقاق تنظيمي تعرض له الحزب الديمقراطي الكردي في سورية (البارتي) هو انشقاق 5 آب 1965, الذي قسمه الى تنظيمين (يمين و يسار) بعد أن كان تنظيما قوياً الى درجة أنه أهاب و أرعب  رئيس الشعبة السياسية في الجزيرة في بداية عهد البعث.

لقد ساهم عاملان أساسيان في هذا الانقسام بين قيادة البارتي, أولهما مرتبط بالمجتمع الكردي و سياسة السلطات السوريه, وثانيهما مرتبط بالتطورات السياسية الكردستانية.

1-العامل البنيوي:

كان البارتي عبارة عن تشكيلة سياسية تضم الأكراد من كل الطبقات و الفئات الاجتماعية. فلم يستطع :أن يصمد ويبقى متماسكا أمام المزاعم البعثية (الحكومية) بالاصلاح الزراعي الذي كان يعده البعض خطوة تقدمية في المجال الاجتماعي. فالبارتي برفضه للمشروع الحكومي, أصبح هدفا للانتقادات واتُهم بالرجعية من قبل الحزب الشيوعي السوري ذو الانتشار الواسع في الوسط الكردي.

كان يركز مثقفو البارتي على المسألة الاجتماعية من أجل كسب الفلاحين الأكراد, الذين كانوا يشكلون القاعدة الجماهيرية الأساسية للحزب في حين كان الملاكون الكبار يركزون على المسألة القومية.

أدى هذا الى وجود تيارين في البارتي. لكن لم يتم الانشقاق حسب هذا المنطق, مثلما يتصوره البعض, لأن المثقفين, هم بالذات, كانوا من ذوي الميول "البرجوازية الثورية" و لم يتخلوا أبداً عن المطالب المتعلقة بالحقوق القومية.

و نظراً للعلاقة المتينة بين البارتي و الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق. بقي البارتي متماسكا ما دام حليفة (الوصي) متماسكاً.اذاً العامل البنيوي كان ذو فعل لكن غير حاسم في عملية الانشقاق التي تمت بفعل العامل الكردستاني.

2-العامل الكردستاني:

كانت الحركة الوطنية الكردية ضعيفة جدا في كردستان الشمالية خلال الستينات. حيث تم تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في تركية 1965, بتأثير من قيادة الحزب الديمقراطي الكردي في سورية.

في هذه الفترة, كانت النقطة الساخنة في الحركة الوطنية الكردية, تتجسد في حركة ملا مصطفى البرزاني في كردستان الجنوبية (العراق), وكانت الأنظار الكردية موجهة نحو رئيسه البرزاني, و كان تماسك هذه القيادة الأخيرة و نفوذها الشعبي و قوتها "العسكرية" هي بمثابة صمام أمان لوحدة و تماسك قيادة البارتي في سورية, لكن في حزيران-تموز 1964, حدث انشقاق في قيادة (ح.د.ك-العراق) بين البرزاني و من حالفه من جهة, و جلال الطالباني و ابراهيم أحمد و من ساندهما , و كان رد فعل هذا الانشقاق في البارتي مثيلا, إن لم يكن تطابقا. فالبعض من القادة أيّد البرزاني, و سموا  أنفسهم باليساريين, في حين أيد آخرون الطالباني و ابراهيم أحمد و سموا باليمينيين  (لأنهم وقفوا مع من تركوا الثورة, و خانوا البرزاني, حسب رأي العامة).

اجتمع قادة أنصار البرزاني (في البارتي) في 5 آب 1965, و أعلنوا تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي اليساري في سورية, بقيادة اوصمان صبري .

انعقد المؤتمر الأول لليسار (ح.د.ك.ي.س) في 1966, و تبنى المؤتمرون مبدأ "النضال من أجل الحقوق القومية على ضوء النظرية العلمية", ووضعوا برنامجا "على ضوء التطورات التي شهدتها الساحة السورية, ولادة الصراع الطبقي و ردود فعله في المجتمع الكردي باعتباره حزءا من المجتمع السوري" . وتمت المطالبة أيضا "بمطاليب الشعب الكردي, الحقوق السياسية و الثقافية و الاجتماعية في اطار الادارة المحلية على أساس الوحدات القومية".

بينما بقي مؤيدو الطالباني تحت الاسم القديم للبارتي (ح.د.ك. في سورية), بقيادة حميد درويش, و عرف هذا الحزب  بين الأكراد بـ (اليمينيين). منذ عام 1975, أضيفت كلمة (التقدمي) الى هذا الحزب لتمييزه عن بقية التنظيمات التي كانت تحمل اسم ح.د.ك في سورية.

عقب الانشقاق, انسحب كثير من الأكراد الوطنيين من العمل السياسي, أو على الأقل أصبحوا خارج الاطار التنظيمي لهذا العمل.

 

محاولة المصالحة.. القيادة المرحلية

بعد انشقاق الحزب الديمقراطي الكردي في سورية الى تتنظيمين (يسار و يمين), حاول البرزاني أن يصالح و يوفق بين أقطاب التنظيمين لتوحيدهما. و من أجل هذا الغرض, شكل لجنة من بعض الوجهاء الأكراد, كان دور الملاكين العقاريين راجحا بينهم, اضافة الى بعض رجال الدين (الملالي). لم تتمكن هذه اللجنة من تحقيق الهدف الذي كانت قد شكلت من أجله. مما اضطر البرزاني الى تنظيم مؤتمر وطني في 26 آب 1970, في ناوبردان, الواقعة في كردستان العراقية, لكن لم يتمكن البرزاني من التوفيق بين المنشقين. و ذهب كل فريق, بعد المؤتمر, في طريقه الخاص, وبالتالي أصبحت لجنةالمصالحة, هي أيضا, منظمة سياسية تحت اسم (القيادة المرحلية), عرفت عند الأكراد بالحياد, و منذئذ, أصبحت الحركة السياسية الكردية في سورية منقسمة الى ثلاثة منظمات.

 

الانشطارات التنظيمية

1-          انشقاق القيادة المرحلية (الحياد).

منذ عام 1972, كان الأمين العام دهام ميرو و القادة الأساسيون معتقلين. ظهرتياران بين العناصر القيادية التي بقيت خارج السجن, تيار سياسي يقوده الملاكون العقاريون, وتيار آخر يقوده الملالي.

فمن المعروف بأن الملالي كانوا يعيشون على ما يعطى لهم من زكاة و صدقات, و المالك العقاري هو الذي كان يستطيع اعطاء الأكثر, لذلك كان الملا تابعا للمالك بشكل عام. لكن بعد الاستيلاء على الأراضي في المنطقة الكردي, تزعزعت علاقة التبعية بين المالك و الملاّ. فتحول الملالي عموما الى حرفيين (مصلحي الساعات-خياطين000) لأن الملاكين لم يعد يعطيهم الزكاة. و هذا الشرخ الاجتماعي انتقل الى داخل القيادة المرحلية فتشكل فيه تياران كما أسلفنا.

        اتفق التياران على أن يحتكما عند ملا مصطفى البرزاني. و في بداية عام 1975, ذهب كل من ملا محمود ملا صبري من جهة وجميل حاجو من جهة أخرى, الى كردستان العراق لعرض خلافاتهما على البرزاني. لكن اتفاقية 6 آذار 1975 العراقية-الايرنية أخمدت ثورة البرزاني و اضطر هذا الأخير اللجوء الى ايران, فرافقه مع من رافقه مبعوثي القيادة المرحلية. بعد ذلك عاد هذان المبعوثونا الى سورية و ادعى كل منهما بأن البرزاني قد ختم له وثيقة الثقة. و بالتالي فكل تيار تحول الى حزب, و كل منهم عقد مؤتمره (الثاني).

        احتفظ العقاريون باسم الحزب القديم (الحزب الديمقراطي الكردي في سورية), و استمروا في اصدار نشرة /دنكي كرد/ (صوت الأكراد), و حميد سيدو أصبح أمينا عاما للحزب, في حين كان جميل حاجو أكثر شهرة, وخلفه فيما بعد الياس رمكو, و أخيرا في 1980 استلم كمال أحمد آغا (موظف في دائرة السجل العقاري بالقامشلي) الأمانة العامة. و هذا التنظيم ينفذ السياسة التي يتبعها مسعود البرزاني في كردستان العراق.

        أما تيار الملالي, فاختار لنفسه الشيخ محمد باقي شيخ محمد عيسى أمينا عاما . و غيروا اسم الحزب من (ح.د.ك. في سورية) الى (ح.د.ك. السوري), وتابع  هذا الحزب من طرفه في اصدار جريدة دنكي كرد. لا فرق بين هذا الحزب و حزب العقاريين, فبرنامجهما متطابقان منذ الانطلاقة الأولى لهما, مطاليبهما واحدة, و الحزبان يؤيدان (النظام الوطني التقدمي في سورية), و هما لا يدعيان بالماركسية, لكنهما يؤيدان سياسة الدول الاشتراكية و على رأسها الاتحاد السوفيتي.

 

-   تطورات الحزب الديمقراطي الكردي اليساري في سورية:2

تعرضت قيادة و أعضاء الحزب الديمقراطي الكردي اليساري في سورية (اليسار) للملاحقات والاعتقالات خلال عامي 1974-1975, أي أثناء تنفيذ الاستيطان في الجزيرة.

        كان الأمين العام صلاح بدر الدين, يقيم في بيروت, و حسب زعم مساعده الأيمن عصمت سيدا, كان صلاح بدر الدين يتعاون مع الأكراد العراقيين المتعاملين مع الحكومة العراقية و ذلك عن طريق الأكراد العراقيين الموالين لحكومة بغداد . و يدّعي عصمت سيدا بأنه عارض ذلك و طلب من صلاح الدين إمّا العودة الى سورية أو الاستقالة, ففضل صلاح بدر الدين الطريق الأخير.

مهما يكن من الأمر, فقد انشق الحزب الى حزبين عقب مؤتمره الرابع الذي انعقد في بداية عام 1975, حزب بقي يعمل بنفس الاسم القديم حتى 1980 عندما انعقد المؤتمر الخامس و تحول اسمه الى حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سورية, وذلك بقيادة الأمين العام السابق صلاح بدر الدين الذي لازال في نفس المركز الحزبي. يصدر هذا الحزب جريدة باسم اتحاد الشعب.

        أما الحزب الآخر, فاتخذ لنفسه اسم الحزب اليساري الكردي في سورية, و ذلك بقيادة عصمت سيدا,وأصدر هذا الحزب جريدته المركزية باسم طريق الشعب. بينما التنظيم الذي بقي مع عصمت سيدا, عقد مؤتمره السادس في نهاية 1982. و المؤتمرات السابقة للحزب اليساري الكردي في سورية هي: في 1966 انعقد المؤتمر الثاني. و في 1973 انعقد المؤتمر الثالث و فيه تم تبغي الماركسية-اللينينية. و في نهاية 1974 و بداية 1975 انعقد المؤتمر الخامس, بالاضافة الى عدد من الكونفرانسات

        هذان "الحزبان", لايوجد بينهما أي اختلاف فكري سوى أن كل منهما يدّعي بأنه ماركسي-لينيني أكثر من الآخر, وكل منهما يريد نفسه حزب العمال و الفلاحين الأكراد. مطاليبهما هي

المزيد


المعارضة السورية .

أغسطس 12th, 2007 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , الدراسات

بقلم :جوشوا لاندس وجو بايس

باحث امريكي

على مدى عقود، كانت السياسة الاميركية تجاه سوريا مركزة بكل قوة على الرئيس السوري حافظ الاسد، وذلك منذ عام 1970 وحتى عام ،2000 ليعقبه ابنه بشار. ولأنهم اعتبروا المعارضة السورية ضعيفة للغاية ومعادية لأميركا، فضل المسؤولون الاميركيون العمل مع نظام الاسد، المعارضة السورية . (1)
جماعات حقوق انسان - أحزاب - منتديات - مفكرون - جماعات إسلامية سرية
(مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومعهد ماساشوستس للكتنولوجيا)
على مدى عقود، كانت السياسة الاميركية تجاه سوريا مركزة بكل قوة على الرئيس السوري حافظ الاسد، وذلك منذ عام 1970 وحتى عام ،2000 ليعقبه ابنه بشار. ولأنهم اعتبروا المعارضة السورية ضعيفة للغاية ومعادية لأميركا، فضل المسؤولون الاميركيون العمل مع نظام الاسد، وبذلك لم يكن لواشنطن علاقات مع المعارضة السورية الى حين غزوها للعراق في عام 2003 وحتى في ذلك الحين، فان ادارة بوش لم تتواصل سوى مع معارضي النظام السوري المتمركزين في واشنطن. وكانوا يفتشون عن نظير سوري لأحمد الجلبي، زعيم المعارضة العراقية الموالي للاميركيين والذي ساعد على انشاء قضية لغزو العراق.
ولم تكن واشنطن مهتمة بالحوار مع الاسلاميين الذين يعتبرون المعارضة الوحيدة ذات القاعدة الشعبية المؤكدة في سوريا. اما بما يعود للمعارضة العلمانية في سوريا، فقد اعتبر مسؤولو السفارة الاميركية في دمشق بأنها لا تملك سوى ‘قاعدة ضعيفة’، اذ لا قاعدة جماهيرية شعبية لها او ارتباط بالشباب السوري. كما ان الاتصال بين اعضاء المعارضة ومسؤولي السفارة يمكن ان يكون خطرا على معارضي النظام ويتركهم عرضة لتهم الخيانة، ولهذه الاسباب، لا تزال الارض المعقدة والمبهمة لشخصيات المعارضة داخل سوريا منطقة عذراء.
()وبالرغم من ان وزيرة الخارجية كونداليسا رايس كانت قد اصرت على ان واشنطن لا تسعى الى تغيير النظام في سوريا، وانما الى تغيير سلوكه فحسب، فان دمشق لم تكن واثقة مطلقا بأن ادارة بوش لا تخطط لتغيير النظام. وكانت العلاقات السورية - الاميركية قد بدأت بالتدهور بسرعة عقب الغزو الاميركي للعراق، الذي عارضته سوريا بعنف.
وباتهامها سوريا بدعم الارهاب في العراق واماكن اخرى، قامت واشنطن بفرض عدد من العقوبات على سوريا في مايو 2004. وبعد ثلاثة اشهر، ضغطت سوريا على البرلمان اللبناني لكي يتجاوز بنود دستوره ويعيد تعيين اميل لحود، وهو حليف سوري، لثلاث سنوات اضافية كرئىس للبنان. وفي رد على ذلك، تعاونت الولايات المتحدة وفرنسا على رعاية اصدار قرار مجلس الامن الدولي رقم ،1559 الداعي لانسحاب جميع القوات الاجنبية من لبنان، من ضمنها سوريا، نزع سلاح الميليشيات، الذي يشمل حزب الله، الحليف الشيعي اللبناني لسوريا، واجراء انتخابات رئاسية لبنانية خالية من الضغط الخارجي. وكانت واشنطن مصممة على كسب لبنان واخراجه من نطاق النفوذ السوري كجزء من سياستها لاعادة تشكيل الشرق الاوسط الكبير، كما كانت سوريا مصممة تماما هي الاخرى على عدم السماح بخروج لبنان عن سيطرتها.
وقد اغتيل رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري في بيروت، وذلك في14 فبراير ،2005 ولمحت الولايات المتحدة فورا الى ان اللوم يقع على دمشق بخصوص جريمة القتل، وذلك بسحبها سفيرها في اليوم التالي على الاغتيال. لكن ذلك تم فقط بعدما قامت بتسليم ملاحظة للاسد تعبر فيها عن ‘استيائها العميق’ بخصوص اغتيال الحريري.
اما في لبنان فقد خرجت تظاهرات ضخمة معادية لسوريا تطالب بانسحاب الجيش السوري والتي اصبحت تعرف لاحقا بثورة الارز وبغضون شهر واحد ومع ثورة لبنان الشعبية المتزامنة مع الضغط الخارجي اجبرت سوريا على سحب جيشها من لبنان، ما أنهى 30 عاما من الوجود العسكري السوري هناك وفي سبتمبر 2005 اصدرت الامم المتحدة تقريرها الاولي الذي يزج بسوريا في جريمة القتل ويسمي اقارب للرئيس الاسد نفسه. وجعل التقرير الجريء القصر الرئاسي في دمشق بحالة من الارباك ما جعل القادة الغربيين يتوقعون التفاف الحبل حول عنق النظام السوري.
اما المعارضة السورية فلم ترد تفويت اللحظة التاريخية اذا ما كان ذلك سيؤدي الى سقوط النظام وبسبب تشجعهم وحماستهم من نتائج ثورة الارز والضغط الخارجي على دمشق بدأ قادتها بمحاولة جعل انفسهم بديلا قابلا للحياة عن النظام، حيث كافح قادة اليسارالماركسي واليمين الاسلامي للعثور على ارضية مشتركة تتعلق بالحرية والديموقراطية لانشاء ائتلاف واسع بقصد مكافحة النظام. واتصلت المعارضة داخل سوريا بالجماعات المنفية في سلسلة من التسويات التاريخية المصممة لتوحيد صفوفها وزيادة الضغط على النظام واقناع الشعب السوري بأنها بديل جدير بالثقة.
اما الامل بأن السلطات السورية قد فقدت مرساها وعناصر ثباتها وامانها وبأن النظام سرعان ما سوف ينهار فقد كان لا اساس له. فالأسد لم يتحول فقط ليكون خصما عنيفا وحاد الذكاء على غير ما كان متوقعا وانما بدأ الضغط على سوريا بالتضاؤل، ايضا خلال عام 2006 ولا تزال هناك اسئلة عدة: من أين اتت المعارضة؟ هل تشكل تهديدا جديدا للنظام في دمشق اليوم؟ ماذا يجب ان تفعل واشنطن الان؟
تحليل مفصل لمعارضة انشقاقية
في 10 يونيو عام ،2000 وبعد 30 عاما من الحكم مات الاسد وقد عبر منشق سوري عن المزاج عندما علق بالتالي: ‘لقد مات الرجل القوي الان لدينا فرصة’. اما ارتقاء ابنه للسلطة فقد انعش الامال بمباشرة القيادة باصلاح سياسي ضروري جدا ما ادى الى ما اصبح يعرف ب ‘ربيع دمشق’.
وفي الواقع كانت الاشهر القليلة الاولى من حكم بشار ناجحة ومزدهرة ففي خطاب تنصيبه امام البرلمان كان متألقا بسبب ‘تفكيره الخلاق’، كما اقر ب ‘الحاجة الملحة’ للانتقاد البناء، الاصلاح والحداثة. وفي تحرك لترقيع العلاقات مع الجماعة الاسلامية وانهاء الحرب المريرة بين النظام والاصوليين قام الاسد باغلاق سجن ‘المزة’ السياسي الذائع الصيت الذي اصبح رمزا لوحشية النظام. وقدرت منظمة حقوق الانسان بأن سوريا احتجزت حوالي 400 سجين سياسي في عام 1993. اما الاسد فقد خفض عدد المحتجزين السياسيين المعروفين الى 300 - 1000 شخص بغضون السنوات الاولى من حكمه.
وبشكل فوري تقريبا بدأ المفكرون السوريون، الذين كانوا يعتبرون من المخبولين سابقا، باظهار اشارات حياة كما بدأت منظمات حقوق الانسان ومنتديات النقاش بالانتشار عبر البلاد وبتجرئهم بما بدا انه اساس اجتماعي حقيقي للاختلاف بالرأي بدأ عدد من شخصيات مؤسساتية بارزة - برلمانيين رجال اعمال اكاديميين وقادة معارضة سابقين - باتخاذ الخطوات والدخول الى دائرة الوهج الاصلاحي. واصدر ناشطو ‘ربيع دمشق’ بيانا رسميا عن طبيعة السياسات والاهداف لاعطاء التوجه مظهرا خارجيا وحدويا بشأن فيض المطالب الاصلاحية الصادرة عن الشعب السوري المقموع طويلا ووقع اكثر من 1000 ناشط اجتماعي بيان ال 1000 توقيع وذلك في يناير 2001 الداعي الى اصلاحات سياسية شاملة. وفي الاسبوع التالي اعلن البرلماني رياض سيف المنتقد الصريح للنظام عن تشكيل حركة الحزب السياسي للسلام الاجتماعي. وقد اثبتت هذه التطورات انها اكثر مما يطيق النظام.
اما المتشددون، القلقون من تصاعد الانتقاد وعدم القدرة على السيطرة عليه، فقد باشروا باتخاذ اجراءات صارمة وهو ما اصبح معروفا ب’شتاء دمشق’. واطلق النظام كلابه الهجومية، طاعنا علنا بمصداقية قومية المعارضين، حتى انه قام بالاعتداء جسديا على منتقديه. وكان نائب الرئيس السوري، عبدالحليم خدام، قد حذر قائلا بأن الدعوات للتغيير قد ذهبت بعيدا، وادعى بأن النظام لن يتساهل مع التهديدات التي يمكن ان تقود سوريا الى حرب اهلية. ومع نهاية الصيف، سجن ثمانية من ابرز قادة المجتمع الاهلي، كما اغلقت كل منتديات المجتمع الاهلي ما عدا منتدى واحد.
وعلى الرغم من قصر عمرها، كان لحركة ‘ربيع دمشق’ انجازات عديدة دائمة، حتى ولو كانت متواضعة. فللمرة الاولى منذ السبعينات، كان بإمكان الافراد التعبير صراحة عن وجهات نظر انتقادية للنظام في الاجتماعات العامة. واخرجت الحرية الجديدة ناشطين منتشرين وسريين من الظل الى العلن. فحتى ولو استمرت الخلافات الايديولوجية، فقد اصبح المنشقون والمخالفون بالرأي او المعتقد، على الاقل، واعين للوجود الآخر، ودخلت لغة الاصلاح في المناقشات السياسية.
وعلى الرغم من هذه النجاحات، فقد فشل ‘ربيع دمشق’ بإنتاج اي شيء مشابه او مماثل لمعارضة موحدة. فقد وافقت كل مجموعات المعارضة، تقريبا، على مجموعة مطالب اساسية، ومع ذلك فقد اثبتت حتى هذه الالتزامات المشتركة بأنها ضعيفة وقليلة الاهمية. ان تسخيف الخلافات الايديولوجية، ونزاعات الشخصيات الشهيرة، والتدخل الحاصل من القوى الامنية التابعة للدولة، كلها امور شكلت خلافات اساسية حول كل شيء، بدءا من السؤال عن حقوق الاكراد الى دور المساعدات الخارجية. وانتجت هذه المشاكل معارضة منقسمة، غير كفؤة تتألف من رابطات لحقوق الانسان، احزاب سياسية، منتديات ولجان مجتمع اهلي، ناشطين ومفكرين مستقلين، وجماعات اسلامية سرية.
جماعات حقوق الإنسان
تعمل في سوريا 10 منظمات لحقوق الانسان، ومركزان لدراسات حقوق الانسان وكذلك سلسلة من الرابطات الصغيرة ذات القضية الواحدة، مثل لجنة تحرير السجناء السياسيين. ولأن ليس هناك من مؤسسة داخل الدولة مستوعبة لهواجس هذه المنظمات، فإن وظيفتها (المنظمات) الاساسية هي جمع المعلومات حول انتهاكات حقوق الانسان واصدار نشرات مع ادانات او دعوات لاطلاق سراح المحتجزين. فهذه المجموعات هي، وبشكل مثير للجدل، الاجزاء الاكثر فعالية من المعارضة السورية. فتقارير الملفات العائلية المتكررة والمتزايدة مع هذه المنظمات هي مؤشر عن الثقة التي بنتها هذه المنظمات مع شرائح مستهدفة من الاهالي. واصبحت هذه العائلات اكثر تفهما لعمليات التواصل، مغذين المعلومات المتدفقة والمستمرة للمنظمات الدولية غير الحكومية، لتردع بذلك اشد الانتهاكات سوءا.
ولسوء الحظ، فإن هذه الجماعات لا تخلو من حصتها من المشاكل. فالعضوية مسألة تافهة وغير جدية. ومن بين المنتمين اليها رسميا، هناك قسم واحد فقط يشارك بنشاط. فعلى سبيل المثال، كانت كل ابحاث وتقارير ومراسلات، لرابطة حقوق الانسان السورية، في عام ،2004 من نتاجات امرأة واحدة. فمنظمة حقوق الانسان السورية منقسمة، ان الجزء المركزي للمجموعة مؤلف من 10 اعضاء فقط، ولدى المنشقة عنها، عضو واحد مشتبه به، الى حد واسع، كعميل امني للدولة. فحتى المنظمات المجهزة بفريق عمل افضل لا تعمل الا بموازنات ضئيلة بالكاد تكون كافية، معتمدة على رسوم العضوية التي نادرا ما يتخطى مجموعها بضع مئات من الدولارات شهريا، او على الثروة الشخصية لمؤسسيها.
وقد قوضت الازمة المستمرة الممارسات الديموقراطية داخل هذه المنظمات، فالملكية المؤسساتية الحقيقية الوحيدة، غالبا، تكون لمكتب الناشط الشخصي، الامر الذي يعطيه، او يعطيها، نفوذا مفرطا وغير شرعي بما يتعلق بالعمليات الداخلية للمنظمة. وقد رثى احد الناشطين من الذين قطعوا علاقتهم مع رابطة حقوق الانسان قائلا بأن مؤسسها ومالك مكتبها ‘ادار الرابطة وكأنها اقطاعية شخصية له’. اذ ليس هناك من مجال لاجتماع محايد، فإذا ما انفجر صراع شخصي بين المالك وناشط آخر، فإن الأخير مجبر على الإذعان أو الانفصال عن الرابطة.
كما ان هناك صراعات شخصية مختلفة بين المنظمات، وما يثبت ذلك هو قرار منظمات حقوق الإنسان المتعددة مقاطعة التظاهر امام المحكمة الأمنية الوطنية العليا خلال محاكمة أكثم ناعسي، إذا ليس هناك من مجال، ولو ضئيل، لمجتمع ما كي يظهر اقصى تكاتفه عندما يواجه اعضاؤه محاكمات سياسية مزيفة. فهذه المشاجرات تحد من مسألتي التعاون وتقاسم المعلومات، الأمر الذي يقود الى استخدامات زائدة عن الحاجة وغير كفؤة للموارد المؤسساتية.
المنتديات ولجان المجتمع الدولي
ان المجتمع الأهلي في سوريا عبارة عن أرض قاحلة، فحتى في ذروة الحمية الإصلاحية لبشار الأسد، رفض النظام اعطاء التراخيص للجماعات المعارضة، واختار بدلا من ذلك التساهل إزاء عملياتهم غير القانونية الى حين تملي القناعة السياسية غير ذلك. اما الرابطات الأهلية القليلة التي تم اعطاؤها تراخيص، فهي اما مشاريع مدللة لشخصيات النظام، مثل رابطات التطوير الخاصة بزوجة الرئيس، او النقابات المهنية، التي تعتبر قيادتها، بالقانون، مستمدة من الموالين لحزب البعث.
وعدا رابطات حقوق الانسان، فإن الرابطات الأهلية الوحيدة الناجية من اجراءات ‘شتاء دمشق’ الصارمة هي لجنة احياء المجتمع الأهلي، ومنتدى جمال الأتاسي للحوار الديموقراطي. اما الأهداف المعلنة لهذه الرابطات، فمتعددة الأوجه. إذ من المفترض بها توفير منتدى للتعبير عن وجهات النظر الانتقادية، وان تكون ارضا مرحلية للتجمع معا وتشكيل منصة موحدة، والعمل كقوة موازنة للطائفية عن طريق تسهيل الحوار بين الجماعات الإثنية والدينية المختلفة.
إن أوراق التقرير مختلطة. فمنتدى جمال الأتاسي للقاءات الشهرية يجتذب، وبانتظام، مئات المشاركين، الذين هم اكثر من مجرد تظاهرات، وهذا ثابت، لكنه لم تصدر عن هذه الاجتماعات نتائج حقيقية وملموسة. وبحسب كلمات لأحد الناشطين: ‘يعبر الناس عن وجهات نظرهم، ويختلف الآخرون معهم، وعندما ينتهي المنتدى، يذهب الناس الى بيوتهم من دون حل للجدال على الاطلاق، فثلاث ساعات من المحادثات، مرة كل شهر، لن ينتج معارضة موحدة’. فالكل الشيء نفسه، اذ يوفر منتدى الأتاسي مسرحا مهما لشخصيات المعارضة لايصال صوتهم وصورتهم للعلن. انها اشارة لليسار العلماني بأن الضمير والوعي الشعبي لم يتم محوه. كما ان المنتدى مفيد للرئيس كدليل على أنه ليس معارضا بالمطلق لحرية الكلام.
الأحزاب السياسية
ان الاحزاب السياسية هي الرابط الأضعف في المعارضة. وباستثناء الأحزاب الكردية، التي يشتهر اعضاؤها بأنهم قوميون، لم يقم اي حزب بزرع جذوره في المجتتمع، وتبلغ عضوية الحزب اللاطائفي والأكثر شعبية اقل من 1000 شخص، ما يجعل عدد الأعضاء الفاعلين مبالغ بهم بشكل ضخم من قبل العملاء الأمنيين.
وبعكس الاعتقاد الشعبي، لا تعاني سوريا من نقص في الاحزاب السياسية المعارضة. وفي الواقع، المشكلة هي ان هناك وفرة بهذه الأحزاب، على الرغم من الحقيقة كلها غير مشروعة تقنيا. ان الاحزاب ‘الفزاعة’ المؤلفة من مقاولين او ثلاثة، تم تشكيلها بتواتر كهذا بحيث توقف الناس عن السير بهذا المسار. وقد تسببت مسألتا الضغوط الأمنية والافتقار للديموقراطية الداخلية، معا، بهشاشة الاحزاب وميلها للتمزق والانشقاق. فعملاء الدولة يخترقون الأحزاب، بسهولة، ويثيرون الخلافات والنزاعات الداخلية، كما يشكلون احزابا انفصالية بأعضاء غير فاعلين، وليس هناك مثال افضل للمعارضة السورية الميالة للانقسام اكثر من كمية الاحزاب الكردية المذهلة، التي تتغير اعدادها بشكل متواتر للغاية، بحيث نادرا ما يذكر مراقبان للمعارضة في تقاريرهما العدد نفسه.
وعلى الرغم من ان مؤشرات اخرى - التظاهرات الشعبية، تجمعات المجتمع الاهلي، حضور المعارضين في الاعلام - تعكس صورة النشاط المعارض المتزايد من عام 2002 حتى عام 2005 فإن عضوية الحزب قد انخفضت بالواقع خلال تلك الفترة. فالأحزاب أثبتت سخافتها وعدم كفاءتها، تحديدا في تجنيدالشباب. فرياض الترك، اكثر زعماء الحزبين المعارضين الحائزين على التقدير، جدد شباب حزبه في السنة الماضية ووضع في ذهنه هذا المأزق المحير: ‘ليس لدينا منصة عمل متناسبة والظروف الحالية التي يواجهها هذا المجتمع.. فطلاب الجامعات الشباب واولئك القادمون من الارياف، لا يجد اي منهم اي شيء يناسبهم داخل هذه المعارضة’.
فالناصريون، الذين لا يزالون مؤيدين لقاعدة جمال عبدالناصر القومية العربية والاقتصاد الاشتراكي، واليساريون الذين يهيمنون على التحالف الحزبي المعارض الاكبر في سوريا، هو ‘التجمع الوطني الديموقراطي’، يعتبرون والى حد واسع، شيئا من مخلفات الماضي، وبأنهم اشخاص متمسكون بإيديولوجيا انهارت مع انهيار الاتحاد السوفيتي. اما حزب الترك، ثاني اكبر حزب في ‘التجمع الوطني الديموقراطي’ فقد كان احدى القصص القليلة الناجحة. فالحزب الشيوعي سابقا، اعيدت قولبته في حزب ليبرالي ذي قاعدة متجددة وقيادة احدث سنا واكثر شبابا، ويعتبر هذا الحزب بكل الحسابات الحزب الوحيد الذي يمتلك عضوية مرتفعة باستمرار.
وبحكم انقسام المجتمع السياسي السوري، اصبح العمود الفقري للمعارضة في فترة ما بعد الربيع (ربيع دمشق) مؤلفا من المفكرين والناشطين المستقلين الذين يمتلكون في افضل الاحوال، قيادة من دون اتباع، وكما كان الناشط عمار قرابي قد اشار ‘حقا، لا يوجد شيء كالمعارضة.. فهناك ناشطون وكتاب مستقلون’.
الانبعاث الإسلامي
على الرغم من عفو الاسد عن مئات الاعضاء في حركة الاخوان المسلمين خلال سنواته الثلاث الاولى من حكمه، ورغم جهوده المتكررة رغم اخفاقها في الاصلاح، لم يكن هناك مؤشر على ان النظام قد بدأ يصبح اكثر تساهلا مع النشاط السياسي الاسلامي. فذكرى مجزرة حماه، التي سحقت ثورة الاخوان المسلمين في عام ،1982 والقانون 49 الذي يعاقب كل من هو عضو في الاخوان المسلمين بالموت، رغم ان معظم العقوبات قد تم تخفيضها الي السجن مدة 12 عاما، قد ادت الى كبح مسألة وجود اسلامي منظم داخل سوريا.
وعلى الرغم من استحالة تبيان المدى الذي يتعاطف به الشعب مع الاخوان المسلمين، فإن التدين المتزايد وندرة التوجهات الليبرالية الموثوق بها سيجعلان من الاخوان المسلمين قوة سياسية جبارة اذا ما سمح لها بالتحرك. ومع ذلك، ورغم التوقعات المنذرة بالخطر، فمن غير المرجح احتكار الاخوان المسلمين للسياسة السورية. فنحو 30 في المائة من السوريين، الذين هم من الاكراد المسيحيين او العلويين، يعارضون حركة الاخوان المسلمين بسبب عجزها وتقصيرها، كما يعارضها عدد من المتحضرين من الطبقة العليا - الوسطى القلقين من الصرامة والتزمت الاخلاقي للقوى الاسلامية.
اما الحزب الاسلامي الوحيد الموجود داخل سوريا فهو حزب التحرير الذي يمتلك اقل من 1000 عضو، بحسب ما يقول ناشطوه، وقد اصبح هذا الحزب ‘كليشيه’ بالنسبة للصحافيين للإشارة الى التزايد في عدد النساء المحجبات والرجال الملتحين، وهي اشارات عن النموذج المثالي للصحوة الدينية، وعموما على كل حال، لا يعتبر نوع الاسلام المنبعث في سوريا اصوليا ولا مسلحا، فبدلا من السقوط ضحية له، استطاع النظام السيطرة على نشاطه عن طريق احتكار المؤسسة الدينية وصقل وتلميع اوراق اعتمادها الاسلامية.
ان التوجهات الوهابية والسلفية التطهيرية منقسمة. فالبعض يؤيد صمتا سياسيا وحتى التعاون مع الدولة، بينما ينصح آخرون بالتهييج والتحريض السياسي، فناشطوهم محدودون، الى حد كبير، بمجموعات نقاش صغيرة ومنتشرة، إذ ليس هناك من شبكة مؤسسة تستحق الذكر.
ومنذ صيف ،2005 كانت هناك صدامات متكررة بين القوى الامنية واولئك الذين تدعي الحكومة بأنهم مسلحون اسلاميون. وعلى كل حال، هناك نظرية مقبولة ظاهريا، بأن النظام السوري قد نظم بعض هذه الهجمات، على الاقل، لاستثارة تعاطف الغرب وتبرير هجومها على اسلاميين مسالمين. ان توقيت هذه الصدامات، بحسب ما يقول المتشككون، كانت مناسبة جدا بالنسبة للنظام. فمنذ بدء احتلال العرق، اصبح النظام السوري واقعا تحت ضغط هائل لاتخاذ اجراءات صارمة بخصوص المتمردين الاجانب الذين كانوا يستخدمون سوريا كنقطة لمباشرة العمل داخل العراق.
وقد حدث تفجير 2004 في المزة، في الوقت تماما الذي كانت فيه ادارة بوش، الغاضبة من دعم سوريا للمتسللين، تفكر مليا، وبصرامة، بكيفية فرض عقوبات مفوضة من مجلس الشيوخ ضد سوريا. كما حدث تدفق لاحق بالهجمات عندما كانت لجنة ميليس تصل الى نتيجة تحقيقها الاولي عن اشتراك سوريا باغتيال الحريري.
وقد وصفت مذيعة اخبار في شبكة تلفزيون العربية، وبشكل غير مقصود، دافعا محتملا لهندسة الصدامات عندما اشارت الى ان ‘الحادث يضع سوريا على قائمة الدول التي تواجه التهديد الارهابي. وبالنتيجة، يأمل السوريون بأن يخفف الحادث من الضغوط العالمية عليهم، خاصة بما يتعلق بالتحقيق باغتيال الحريري، ومدى السيطرة على الحدود مع العراق’.
وحتى لو كانت الهجمات عملا لإسلاميين معادين، فإن حدوثها يثبت فقط انتشار الخلايات المسلحة المعزولة. فهؤلاء يتحكمون في دعم شعبي ضئيل جدا في شارع سوري لا يزال قلقا من الصدامات العنيفة بين الاسلاميين والنظام في اوائل الثمانينات. وبسبب كبت النظام للتوجهات الاسلامية السياسية، فمن غير المرجح، بشدة، ان يظهر الاسلاميون كقوة معارضة رئيسية داخل سوريا، بصرف النظر عن كيفية تدبر الاخوان المسلمين لأنفسهم جيدا في المنفى.
المعارضة السورية (2)
بصدور ‘إعلان دمشق’ 2005 أصبح ممكنا الحديث عن ‘معارضة سورية’
في الحلقة الأولى من دراسة ‘المعارضة السورية’ المنشورة في ‘القبس’ أمس، تناول المؤلف التشكيلات المكونة لتلك المعارضة، خصوصا جماعات حقوق الإنسان، والإسلاميين، والأحزاب، وهيئات المجتمع الأهلي، والمفكرين والمثقفين، واعتبر ان المعارضة مفككة، ومخترقة من قبل أجهزة الأمن، واعتبر ان تأثيرها في المجتمع السوري ما زال محدودا، رغم ما قامت به من انجازات، خصوصا في ‘ربيع دمشق’ الذي لم يزدهر ولم يتمكن من توحيد المعارضة.
وفي ما يلي الحلقة الثانية من الدراسة:
الحرب العراقية: شحن الطاقة أم إضعافها؟
بالنسبة للمؤيدين الملحين على ما يدعى قلب نظرية الدومينو - بأن انهيار صدام حسين سوف يرسل بموجة مد من التوهج والحمية والديموقراطية في كل المنطقة - فقد تحولت الحرب لتصبح سيفا ذا حدين. فالناشطون بالغوا في دعواتهم للاصلاح باسم حماية سوريا من قدر العراق. لكن الحرب صدمت ايضا الناس كافة وجعلتهم يحتشدون خلف هذا النظام، الذي كان رئيسه الفخور يحافظ على الاستقرار في البلد. وقد اجبرت حمية الديموقراطية الجديدة لادارة بوش دمشق على تبني لغة الاصلاح، لكنها سهلت، ايضا، جهود الدول لتصنيف المنشقين كخدام وتابعين للغرب. فانهيار صدام أثار مسألة تحريك المعارضة الكردية، لكنه بذلك فاقم من التوترات بين المعارضة الكردية والمعارضة العربية.
ورغم ان الاكثرية الساحقة من المنشقين السوريين كانوا قد ادانوا بقسوة حرب العراق، فانهم قرنوا لومهم القاسي جدا بالدعوات للاصلاح. وفي ايار ،2003 وبعد شهر فقط من سقوط بغداد، احال ناشطو المجتمع الاهلي التماسا للرئيس محذرين من الايديولوجيا والسياسات ‘العدائية، العنصرية، المغرورة والشريرة’ للولايات المتحدة واسرائيل، وناشدوه القيام بالاصلاح لتقوية سوريا ازاء التهديدات الخارجية. وفي 8 ايار 2004 نظم ناشطو المعارضة اعتصاما غير مسبوق امام البرلمان. وفي الوقت نفسه على كل حال، وجدوا انفسهم، وبشكل متزايد، عرضة لاتهامات الخيانة، فعلى سبيل المثال، كان الاستثناء الوحيد للتعتيم الاعلامي بخصوص الاعتصام، مقالة لرئيس تحرير صحيفة البعث، التي اتهمت المتظاهرين بمحاولة ‘تعزيز الضغوط الممارسة من الخارج’.
وكان الناشطون العرب متناقضين حول حرب العراق، إلا أن الأكراد رحبوا بها بابتهاج جماعي تقريبا. وأشعل سقوط صدام حسين، رمز القمع الكردي، شرارة انبعاث القومية الكردية داخل سوريا. وبدأت جماعات المعارضة الكردية بإثارة التحريض بشأن الحقوق الكردية، بما في ذلك عودة الاراضي المصادرة في المنطقة الشمالية الشرقية، والحق بتعليم ودراسة اللغة الكردية، وتقويم ومعالجة التمييز المنظم ضد الاكراد في الدوائر البيروقراطية الرسمية وجنسيات الاكراد التي نزعت عنهم المواطنة السورية في عام 1962. وبدأ عدد أصغر من الاحزاب بالمطالبة بحكم ذاتي سياسي وحكومة فدرالية.
وقد قال مشعل تيمو، الناطق باسم ‘التوجه المستقبلي الكردي’، في ملاحظة له ان ‘حرب العراق حررتنا من ثقافة الخوف.. لقد شاهد الناس كرديا يصبح رئيسا للعراق وبدأوا يطالبون بحقوقهم الثقافية والسياسية في سوريا. وفي مارس ،2004 انفجرت مباراة لكرة القدم بشكل صدامات بين الاكراد والعرب في القامشلي، المدينة الشمالية الشرقية، مما ادى الى تظاهرات كردية في كل مدن سوريا الكبرى. أما النظام السوري فلم يتوان عن سحق ما دعي بالانتفاضة، مطوقا وجامعا آلاف الناشطين ومغرقا المنطقة الشمالية الشرقية، التي يهيمن عليها الاكراد، بالقوى الامنية.
أما تأثير نهوض الاكراد على المعارضة ككل فقد كان مختلطا، مرة أخرى. فبطريقة ما، لعبت مسألة انفجار القومية الكردية، وسط تزايد الضغط الاميركي والاسرائيلي على سوريا، لمصلحة النظام - قامت اسرائيل، قبل اشهر، بشن ضربة جوية على الارض السورية.
وفي حين اتهمت صحافة الدولة عملاء اجانب ببدء اعمال الشغب، اججت المؤسسات الامنية الشكوك في أن الاكراد كانوا طابورا خامسا - انفصاليين ويعملون لمصلحة التدخل العسكري الاميركي - ليحتووا بذلك الاضطراب والهيجان داخل الدوائر الكردية. حتى أن ناشطين عربا متحمسين كانوا ذات مرة متعاطفين مع القسم الكردي، ترددوا بدعم حركة يلجأ عدد من قادتها بمحبة وحنان إلى الرئيس جورج بوش، مثل أبو أسعدي (أبو الحرية).
ومن جهة أخرى، أجبر حجم الثورة الناشطين العرب على الاعتراف بأن الاكراد قوة لا يمكن تجاهلها بعد الآن. فالمعارضة العربية تناضل لانزال 300 متظاهر الى الشارع، في حين ان المعارضة الكردية تستطيع انزال مئات الآلاف. وكانت المعارضة العربية، قبل هذا الحدث، متجاهلة، إلى حد كبير، القضية الكردية بسبب شكوكها في أن النشاط الكردي كان غطاء لمواصلة المطالبة بكردستان مستقلة. أما الاكراد، فاتهموا بالمبالغة بالتعبير عن حرمانهم ومعاناتهم، كما اتهموا بمراجعة التاريخ لترسيخ الادعاء الكردي بالاراضي السورية.
وبعد وقت قصير من الانتفاضة الشعبية، بدأ الزعماء العرب والاكراد بتشكيل اتصالات والاشتراك بعمليات تنسيق على مستوى منخفض. وأمل العرب في العمل على ظهر القوة البشرية للاكراد، في حين امل الاكراد في إدخال الحقوق الكردية الى اجندة المعارضة العربية. فالاهداف كانت التغلب على الشكوك المتبادلة، التي كان النظام يرعاها باهتمام شديد، وانشاء جبهة موحدة للاصلاح. فالبروز المتزايد للقوى الكردية اعترف به حتى تنظيم الاخوان المسلمين، الذين بعد عام واحد تماما من الانتفاضة الشعبية، اصدروا تصريحا يعلنون فيه تكاتفهم مع الاكراد والاعتراف بشرعية مظالمهم، وذلك للمرة الاولى في التاريخ.
موت الحريري، حياة جديدة للمعارضة
في 14 فبراير ،2005 مزق انفجار موكب الحريري ليقتله مع 22 آخرين. ورمت الولايات المتحدة فورا باللوم على سوريا وزادت من الضغط على النظام. وعلى الرغم من التأكيدات المتبجحة المنشورة بداية بأن سوريا لن تخضع للتحقيق الدولي الذي هو ظاهريا بحث وتحقيق في انه في الحقيقة يهدف الى تشويه سمعتها، فقد انحنى الاسد في النهاية أمام الضغوط وانهى 30 عاما من الاحتلال السوري للبنان. وكان لتنامي عزلة سوريا الدولية المتزايدة وخروجها المذل من لبنان تأثير نفسي عميق على المعارضة. وحسب ما قال كمال اللبواني:
‘لأول مرة، كان يمكن مشاهدة امكان انهيار النظام، حتى ولو كان ذلك امرا بعيد الاحتمال، وبدأ الناس يفكرون بشكل اكثر جدية حول توفير البديل’.
وشهد ربيع 2005 فورة بالجهود المبذولة لتوحيد صفوف المعارضة. تطورت الاتصالات المنخفضة المستوى بين العرب والاكراد الى صيغة ‘لجنة التنسيق الوطنية للدفاع عن الحريات الاساسية وحقوق الانسان’، وهو التحالف المعارض الاكثر شمولا حتى تاريخه. وفي نيسان، اصدرت ‘لجنة احياء المجتمع الاهلي’، اكبر تشكيل للمجتمع الاهلي السوري، تصريحا تدعو فيه الى ‘فتح قنوات الحوار’ مع كل شرائح المجتمع السوري، بمن في ذلك ‘الاخوان المسلمين’.
ولأول مرة منذ مجزرة حماه 1982 الشائنة، دعت مجموعة معارضة داخل سوريا للحوار مع الاخوان المسلمين. وبعد شهر من ذلك، قرأ الناشط والكاتب علي عبدالله رسالة من امين عام الاخوان المسلمين، علي صدر الدين البيانوني، يشجع فيها على اكتشاف كل الحركات السياسية السورية، حتى ان حزب البعث الحاكم كان حاضرا وممثلا. وكانت المرة الاولى التي يكون فيها ‘الاخوان المسلمين’ ممثلين علنا داخل سوريا منذ عام 1982. وبعد ذلك بوقت قصير، جلس الترك الى جانب البيانوني واعلن نيته القيام بتشكيل تحالف مع الاخوان المسلمين. وتم وضع اسس العمل لائتلاف معارض اوسع حتى.
إعلان دمشق
وفي 18 تشرين الاول، قبل 5 ايام فقط من الصدور المحدد لتقرير الامم المتحدة الاول حول اغتيال الحريري، كشف الائتلاف الاكثر تنوعا وتعددا للمعارضة حتى تاريخه، عن ‘اعلان دمشق’، وهي وثيقة تؤسس لمنصة موحدة لأجل تغيير ديموقراطي. فالاعلان نشأ من رحلة سرية الى المغرب قبل بضعة اشهر فقط للمفكر ميشال كيلو للاجتماع مع البيانوني ومناقشة مبادرة جديدة لتوحيد القوى.
وقد اتفق الاثنان على اربعة مبادئ توجيهية رئيسية - الديموقراطية، اللاعنف، وحدة المعارضة، والتغيير الديموقراطي - وقد فوض البيانوني ميشال كيلو التفاوض حول تخالف مبني على اساس واسع لمصلحة الاخوان المسلمين. وسمح النشر الدولي للاعلان الاخير للمعارضة، قبل ايام فقط من صدور النتائج الاولى حول اغتيال الحريري، بالاستفادة من التغطية الصحفية المبالغ بها لسوريا وجعلت مسألة العثور على بدائل لنظام الاسد تكبر.
صدر الاعلان مع خمسة تواقيع لتحالفات حزبية، منظمات المجتمع الاهلي، وتسعة مفكرين. وبغضون 24 ساعة، بدأت عشرات الرابطات والاحزاب داخل وخارج سوريا بالاعلان عن دعمها. ولأول مرة في التاريخ السوري، توحد تجمع مؤلف من الاحزاب المتنازعة بعضها مع بعض والمفكرين المنتشرين الذين يمثلون القوميين الاكراد، القوميين العرب الاشتراكيين، الشيوعيين، الليبراليين والاسلاميين بظل قاعدة واحدة للتغيير الديموقراطي. اما ناشطو المجتمع المدني، الذين تكبروا سابقا على الاحزاب السياسية، فقد ضموا قواهم اليهم، وتم تشكيل مجهود مدروس لضمان ان يكون الموقعون على الاعلان مرحبا بهم من اكثرية المحافظات السورية. وبحسب ما قال احد الناشطين: ‘مع اعلان دمشق، فقط، بإمكاننا التحدث عن المعارضة السورية’.
تجنبت الوثيقة عددا من القضايا التافهة التي لاحقت مجموعات المعارضة، وتراجعت عن اعلان دولة دينية، آخذة موقفا بش

المزيد

العائلة الكردية في المهجر -د.محمد زينو

تموز 18th, 2007 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , الدراسات

لا احد يعلم تاريخ الهجرة الكردية من كردستان وتوزع الكرد على الشتات والفيافي في الشرق الاوسط ومن ثم في اوربا. انه لامر محزن حقا ان لا يعرف المثقف والمهتم بالشان العام الكردي ما حل بابناء قومه من حملات التهجير ناهيك عن عدد المهجرين واماكن تمركزهم. من اكبر الكبائر ان يتم تهجير قوم من سكنه وخلعه من تربته وابعاده عن مالوف حياته وضرب جذور عادته وتقاليده. هناك بصيص ضوء على تهجير الكرد من شرق كردستان باتجاه اراضي روسيا القيصرية بعد خسارة الكرد معركة قلعة دمدم الشهيرة ضد جيش الشاه عباس الصفوي. تمركز هؤلاء المهاجرون في بعض مقاطعات ازربيجان ومن ثم تشكل مقاطعة صغيرة ذات حكم ذاتي للكرد هناك ابان العهد السوفياتي الاول، الا انها لم تدم طويلا حيث تم القضاء عليها اثناء العهد الستاليني وهجر الكرد من تلك المناطق باتجاه اسيا الوسطى. واصبحت اراضي تلك المقاطعة الكردية والمعروفة بكردستان الحمراء مصدر صراع دموي بين ازربيجان وارمينيا بعد الانهيار المدوي لاتحاد السوفياتي وهجر من تبقى من الكرد تلك الاراضي باتجاه العمق الروسي البارد وهم اليوم موزعون بين مقاطعة كراسندار وياروسلافل ومدينة موسكو وكييف ونيقولايف في اوكراينا وهؤلاء المهاجرون يعيشون اوضاعا ماساوية ومزرية لا احد يهتم بهم ، انهم ا مام الضياع والانحلال داخل المجتمعات المحيطة بهم. ويدور الزمن دورته وياتي فصل آخر اكثر مأساوية من التهجير على يد قطاعات الجيش التركي بعد قيام الجمهورية التركية وخاصة بعد فشل ثورة الشيخ سعيد عام 1925 تبدأ الهجرة هذه المرة باتجاه الغرب التركي المجهول رافقتها سياسة القمع والقتل لكل ما هو كردي من لسان وشعور ولباس. ولم تمر فترة على النكوس بمواد اتفاقية 21 آذار 1970 بين قيادة الثورة الكردية والحكومة العراقية حتى بدأ الفصل الاكثر ماساوية من التاريخ الكردي من كردستان العراق هذه المرة باتحاه الصحراء المقفر والخالي، والتي ختمت باستعمال السلاح الكيماوي في مدينة حلبجة الشهيدة. من المظاهر الجلية في تاريخ هذه الهجرة ان الكرد قد اهتموا بها ووثقوها واعتنوا بتلك الوثائق والتي اصبحت دلائل قاطعة لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الكرد من اقطاب النظام العراقي السابق. ومنذ اواسط الستينات وحتى نهاية القرن الماضي وقف المجتمع الكردي امام ظاهرة لم تكن مالوفة سابقا لدى الكرد وهي الهجرة الواسعة النطاق من كردستان باتجاه البلدان الاوربية وامريكا الشمالية واستراليا. حيث استقر الاف مؤلفة من العائلات الكردية في هذه الدول وخاصة الاوربية الغربية منها، ونحن اليوم نرى ولادة مجتمع كردي جديد يختلف عن ما هو في كردستان، مجتمع له من العادات ونمط التفكير واسلوب التعامل والحياة يختلف عن ما الفه الكردي في كردستان. نحن اليوم نرى مئات الكرد في فنلندة والسويد والنروج والدانمارك والمانيا وفرنسا وهولاندة وايطاليا وبلجيكا والنمسا وسويسرة وروسيا وبحكم القوانين المتاحة في هذه البلدان حصل معظم الكرد على الجنسيات الاوربية وبذالك اصبح ابواب العالم مفتوحة امام الكرد يسافرون من دولة الى اخرى دون عائق يذكر. قلنا نحن اليوم امام تكوين مجتمع كردي جديد، مجتمع تشوبه قيم وتقاليد موروثة من كردستان واخرى تتشكل هنا في هذه البلدان نظرا لولادة جيل جديد من بني الكرد الذين لم يروا كردستان ارضا معاشا وبيتا بل يراها نقطة سياحية مؤقتة يدوم السفر اليها اسبوعان او اكثر ثم يرجع الكردي الى بلده الاوربي آمنا ومسالما. و يجري صراع عميق بين الكردي الآتي من كردستان وبين الكردي المولود في اوربا، صراع بين الموروث الكردي الذي يستند الى اساسه القروي وبين ما يكسبه وما يحيط به في المراكز الاوربية الضخمة. العائلة الكردية في المهجر من المعلوم ان المجتمع الكردي مجتمع قروي اساسه الزراعة وتربية الماشية وبذلك يكون الاعتماد على الذات والسماء هو بنيان العمل الكردي. المجتمع القروي ضيق المجال قليل الحيوية والنشاط، مجتمع له من الصفات والمواصفات تتميز بكثرة الوقت وبالتالي يتمتع فرده هناك بالمجالس الليلية الطويلة وهو يستمع الى قصص البطولات والمغامرات الخيالية دون ان يبدي ضجره لا بل يذهب القروي الى فراشه وهو يتمتع بخيال ما سمعه في المجلس. يتميز هذا المجتمع بقوة صلة الوصل بين افراد المجتمع ذاته من التعاون بالعمل والفرح والترح وبذلك يكون السيطرة على حركة الفرد والعائلة متاحا وقويا ما يؤدي الى تمسكها البنيوي والحيلولة دون تفككها والابتعاد عن سمعة السنة السوء كشرط اساسي من مستلزمات البقاء بين الجماعة ومتابعة الحياة هادئا مطمئنا. واذا ما حدث خلل ما في هذه الميزة ، اي اذا ما لطخ سمعة الفرد والعائلة بفعل سوء من لدن احدى نساءها او رجالها فيضيق مجال الحركة للعائلة المعنية ويؤشر لها بالاصبع ويصبح الحدث موضوع المجالس واللقاءات ، لذلك يحرص القروي شديد الحرص على نظافة سمعة العائلة والحيلولة دون وقوع السئ من الامور والقضاء على بوادر حدوث مثل هذه الاشياء الممنوعة ومعالجتها بسرعة . يضحي القروي بكل شيئ في سبيل نظافة سمعة العائلة ، بامكان القروي ان يحيا فقيرا ومعدوما ومحروما من لقمة العيش ، بامكانه ان يحيا مديونا لغيره، بامكانه ان يحيا وهو يعمل الليل الدامس والنهار الحارق عارضا ظهره لبرد الليل وحر النهار غير ابه بصحته ووقته، وهو لا يبدي ضجره من سوء ظروف حياته ومعيشته. لكنه يزمجر ويقسو ويلوي عنق غيره طالما يدور الحديث بسوء عن احد افراد عائلته، ان سمعة العائلة هي اقدس المقدسات لايجوز التفريط بها والاقلال من اهميتها، ونحن ابناء هذا المجتمع قد سمعنا وشاهدنا كم من فتاة وامرأة ورجل قتل جراء اللمس بسمعة العائلة و كم جار لا يكلم جاره جراء نظرة خبيثة او كلمة غير محمودة من احدهم تجاه الآخر، واكاد اجزم انه لم تفلت قرية كردية واحدة من هذه القصص المروعة. المجتمع القروي مجتمع ضيق شديد التذمر وثقيل الرد وهو يفتقر الى الديناميكية ، الى الحركة الضرورية للتقدم لحدوث تغيير في البنية الفكرية والاجتماعية للحياة في القرية. ان الانسان يحصل على المعلومات من وسطه الاجتماعي، هذا الوسط الاجتماعي يحدد اخلاقيات وتصرفات ومعاملة الافراد ببعضهم ، ان الاخلاق وما شابه ذلك هو نتاج الوسط الاجتماعي المحيط بالفرد وعليه تتغير الاخلاقيات وتصرفات الناس من منطقة الى اخرى ومن بلد الى آخر. هناك مثل غربي يقول كيف تعيش هكذا تفكر ، ان الوسط الاجتماعي والحالة المعيشية تحددان بشكل كبير مسار تفكير العامة من الناس وبالتالي تصرفاتهم واخلاقياتهم. ومع مرور الايام تصبح هذه التصرفات امورا معتادة وليس من السهل تغييرها ، وتصبح علاقات الناس بمثابة حقائق ليس من السهل تجاوزها ، وهي تتغير ليس فقط من منطقة الى اخرى بل تتغير من شخص الى آخر. بالنسبة للشخص الثري والغني الذي يستطيع باشارة من اصبعه الحصول على مرامه تبقى حقيقة ومغزى الحياة لديه المزيد من لذيذ الطعام والترف والسماع الى رنين النهود والنقود في حفلات المجون واللهو. اما بالنسبة للفقير المعدوم الذي يفترش الارض ويطبخ الماء تبقى الحياة وما فيها لقمة خبز وتحميل البطن الفارغ. ان ما تعتبره الناس هنا امورا معتادة وتصرفات محمود ة قد تصبح في منطقة اخرى امورا شنيعة وتصرفا لا انسانيا. ففي كردستان وغيرها من المجتمعات المحيطة تعتبر من فضائل الامور الحفاظ على عفة المرأة وجميل سمعتها ان تبقى عزراء قبل زواجها وخلاف ذلك يكون مصيرها الموت المحتوم بخنجر مسموم او مسدس خارق للقلب. بينما نرى هنا في المجتمعات الغربية هذا التصرف غير محبذ من فتاة بالغة ليس لها صديق تعيش معه قبل الزواج، ان الام تلوم ابنتها لبقاءها وحيدة دون صديق، من الامور المحزنة ومن دواعي الشجون ان يبقى شاب بالغ دون حبيبة يحتضنها ويقضي ساعة فراغ بجانبها. ان المرأة او الرجل في المجتمعات الغربية لا ير من المعاشرة الجنسية قبل الزواج ما هو مخالف لما الفه في وسطه الاجتماعي ، وهذا ا لوسط لا يعاتب احدا ما جراء تصرفه ذاك و كلا الطرفان يعتبران تصرفهما امرا معتادة لا يخالف مألوف الحياة ، بينما يطيح مثل هذه العلاقة بعائلات كاملة في مناطق اخرى من هذا الكون. العائلة الكردية في المهجر و الانسان في هذه الحالة غير مخير ، وهو لا يستطيع ان يختار لنفسه قوانين وعادات وتقاليد مخالفة لما الفه وسطه الاجتماعي، او على اقل تقدير لا يحبذها الناس من حوله ، ولا نبالغ ان قلنا ان هذا الوسط سيتهم ذاك المخالف انه مجنون والعياذ بالله. احدنا يرى في شوارع المدن الاوربية فتاة وشاب يتبادلان القبلات الدافئة في باصات النقل الداخلي او في الاماكن العامة دون ان يشعران بالخجل ، فلنتصور ذات المشهد في احدى شوارع مدننا في الشرق، ان القارئ الكريم يتصور مصير الفتاة والشاب، انهما سيلتقيان حتما في القبر غير مأسوف عليهما، وما الذي تغير بين ذات المشهدين ، الفتاة والشاب في الغرب يتابعان حياتهما بهدوء بعد القبلات بينما يرسل الشاب والفتاة الشرقين الى القبر ومصيرهم جهنم وبئس المصير. ان الذي تغير هو نظرة المجتمع الى هذه الظاهرة. انه لمعلوم ان العادات والتقاليد كنتاج المجتمع في تطور وتغير مستمر ، انها كأي ظاهرة اجتماعية لا تعرف مبدأ السكون والثبات، فكل طور اجتماعي يجلب عاداته وتقاليده معه، والجديد القادم يحل مكان ما كان مألوفا في الطور السابق ، وعملية التغيير ملتزمة بمدى سرعة التغييرات الطارئة والجارية في المجتمع، ان المجتمعات المنفتحة على غيرها وتمارس الاحتكاك المستمر قابلة للتغير اكثر من المجتمعات النائية والمنغلقة على نفسها ، ان الفئة الاولى تتعرض للصراع بين المألوف من التصرفات وبين ما هو جديد قادم مع الانفتاح على الغريب، هنا نرى حدة الاحتدام بين ما هو مألوف لدى الآباء وما يقوم به الأبناء، والاباء يتذمرون من رؤية تصرفات ابناءهم. قال علي بن ابي طالب ر.ض. لا تعلموا اولادكم اخلاقكم انهم ولدوا لزمان غير زمانكم. انه قول رائع فيما اذا التزمنا به. ولكن المشكلة ان الناس لا تحبذ كثيرا ترك عاداتهم وتقاليدهم هذا بسهولة او بمجرد ترك مجتمعهم، انهم يأخذون عاداتهم حيثما ولوا وجههم، من شب على شئ شاب عليه، يلتزم به فترة طويلة لا يبارحه هكذا بسهولة، ان تغير نمط المعيشة والعمل والوسط الاجتماعي ينخر رويدا رويدا في جسد عاداتنا ونحن نتغير دون معرفة منا و لكن ببطء شديد، ومن يحاول ان يقف امام هذه العملية التغييرية الجارية انما يناطح الهواء وهو يخوض معركة خاسرة سلفا، من يحاول ان يجبر اولاده على نمط حياة جده على انه ارقى والذ واصفى انما يقود معركة خاسرة غير ماسوف على خسارته. لكنه صراع على كل حال ، فالاب يحاول تلقين ابنه ما كسبه هو من محيطه ويعتبره الاكثر رونقا وفائدة فما اذا التزم به الابن، ونراه يتزمر ويزمجر اذا خرج الابن قليلا عن جادة تعاليمه، لايلتزم با يوعظ به اباه من مواعظ زمانه ، ولسان حال الابن يقول ….يا ابي انك على حق فيما توعظني ولكن خفف من وطأة مواعظك فأنا لدي مجتمعي يختلف عما تربيت انت عليه، انك اتيت من عالم يختلف عن عالمي …الخ. والابن محق على اي حال. ونحن نتابع حيثييات هذا النقاش بين الاباء والابناء هنا بين الكرد في البلدان الاوربية بشكل مستمر، اننا نتابع ونشاهد مدى حدة الصراع ذاك داخل كل عائلة كردية ، كم من كردي يقول والحسرة تعصر قلبه …. ليتني ما اتيت الى هذه البلاد، وكم من شاب كردي هرب من منزل والده جراء هذا الصراع، وكم من فتاة كردية اخذت بجدائل شعرها عنوة لتزويجها من من لاترغب هي به، كم من فتاة كردية اصبحت هدفا لرصاص جراء رفضها مواعظ والدها، وكم من فتاة وشاب هرب من حدة مراقبة الوالد وهو او هي يلتجان الى المنظمات الاوربية لحماية الاحداث . ان منافع الهجرة الكردية الى البلدان الاوربية كثيرة ، من حيث التعرف المباشر على التكنولوجيا وانجازات العلم وكذلك فتح المجال واسعا امام الطفل الكردي ليصبح كادرا علميا لكردستان ، خرج الكردي اخيرا من الحيز الضيق من مجال جغرافيته الكردية وهو يجوب العالم ، وتحسن كثيرا الوضع الاقتصادي لعشرات العائلات الكردية، ان الكرد اصبح عامل ضغط كبير الشأن دفاعا عن القضية الكردية من حيث سرعة الوصول الى مراكز القرار الاوربي، بالاضافة الى تمتع الكرد نكهة الديمقراطية والحرية المتوفرة في هذه البلدان، ولكن لهذه الهجرة مساوئها من حيث تارجح العلاقات الاجتماعية وزيادة حدوث الشرخ بين ابناء العائلة الكردية في المهجر، ان الحضارة الغربية تهاجم العالم كله، ونحن مجبرون على تعاطي الجيد والسيئ في هذه الحضارة، نحن لانستطيع ان ناخذ الجيد منها و نترك السيئ لاصحابها ، نحن لسنا في سوق الخضرة كي نختار. العائلة الكردية في المهجر د.محمد زينو ان الانسان الكردي عمل وكدح عمره في سبيل اخضاع طبيعة كردستان واصلاحها لتكون ملائمة لظروف الحياة ، لم يدخر جهدا ولم يبدي ضجرا في سبيل اعالة اهله، والناظر الى طبيعة كل قرية كردية يفهم المرء مدى الجهد الذي بذله الكردي في سبيل تسخير موارد وتضاريس الطبيعة الكردستانية وجعلها اكثر ملائمة لحياة الانسان. وبالرغم تعرض حياته لجملة تغييرات جوهرية منذ الخمسينات القرن الماضي عندما بدأت الالة الزراعية تدخل ضمن ملاك ولوازم العمل والهجرة الكثيفة الى المدن، سواء أكانت مدنا كردية او حواضر المجتمعات المجاورة الا انه لم يحدث تغير جوهري في نمط حياة الانسان الكردي. قلما تختلف المدن الكردية عن القرية الكردية، فهي وبحكم الاجراءات المتبعة من جانب الحكومات المسيطرة ، محرومة من الانشاءات الضخمة وهي محرومة من المصانع والمؤسسات الكبيرة ويمكننا تسمية المدن الكردية بقرية كبيرة ، فالانسان هنا مازال يعتمد بمعيشته على ما تضخه القرية الصغيرة اليه، اي قلما اعتمد الكردي في المدينة على التجارة او الوظيفة او سواه ، ولذى بقي الارتباط بالقرية وثيقا والحالة هذه لم تتشكل نمط جديد من العلاقات الاجتماعية، ان المجتمع الكردي يفتقد الى ثقافة المدينة وهو يفتقد الى التفكير المديني الذي يعتمد اساسا الى تفعيل الرأس بدلا من قوة العضلات، الى تشغيل الفكر لكي يعيش بدلا من تشغيل الجسم ، من هنا نفهم على سبيل المثال ضعف الكردي تجاريا، بكل ما تعني التجارة من فن المراوغة والخداع والدعاية لبيع منتوج ما. اما الحشودات الكردية الملاصقة باطراف المدن الكبيرة للمجتمعات المجاورة ، فهي تعتبر قوة عاملة سوداء تعمل لصالح الاوساط الجشعة لتلك المجتمعات. وبحكم الانتماء الى ذات العلاقات الاجتماعية وينظر بذات المنظار الى مسائل التربية والعائلة ويتحكم بمصير الافراد بذات المقدار، ويدين بذات الدين ، قلما اختلف المجتمع الكردي عن الجيران، هذا الوجود الكردي لم يؤسس بعد منظومة الثقافة المدينية. ان اكثر ما يخشاه الكردي ويحاول تجنبه هو الذهاب يوما ما وبشأن ما الى احدى دوائر الدولة، تلك الدوائر التي تذكر الكردي بقوة وعنفوان الدولة وهي رمز العنف والظلم والجور الواقع على عاتق الكردي. كما لم يعرف الانسان الكردي سواء في قريته او مدينته او في مدن المجتمعات المجاورة كلمة تسمى … العاطل عن العمل او الحصول على المساعدة من مؤسسات الاعانة الاجتماعية. فهو في عمل مستمر لا يعرف الاستراحة. واول ما يصادفه الكردي هنا في اول محطة له في اوربة هو بقاءه دون عمل والوقوف امام دوائر الاعانة الاجتماعية . انها مأساة تضرب الصميم، ان الانسان الذي كدح حياته وهو يعيش من عرق جبينه لا يستطيع ان يستوعب مباشرة تحوله المفاجئ من عا مل كادح الى سائل سبيل امام الدوائر الاوربية. والفئة الاكثر تعرضا الى نتائج البطالة هي فئة الوافدين الى الدول الاوربية وخاصة تلك التي لا تمتهن مهنة ما قد يجد المرء مكانا لها يعمل بموجبها هنا. وتحت ضغط الجهات الحكومية يضطر الكردي الى مزاولة اي عمل للتخلص من تبعات العاطل عن العمل، وكما هو معلوم يزاول الكردي وامثاله اعمال رخيصة لا يلزم المرء القيام بها جهدا ذهنيا، مثل العمل في مطاعم الوجبات السريعة او سائق الحافلات او الخياطة او تصليح السيارات …الخ، تلك الاعمال التي هجرها الاوربي عندما نافسه عليها الوافد الاجنبي، هذا واصبح الكردي مخيرا بين ان يبقى عاطلا عن العمل ويتحمل ضغوطات وعنجهيات الدوائر المسؤولة او ان يزاول عملا لا يرغب به او كان قد اعتبرها مهينا في كردستان. واذا ما مورس الضغط لاجراء عملية معينة او القيام بعمل ما مكرها يفعل المرء كل ما بوسعه للهروب من مسؤولية القيام بذلك العمل، وعليه يقوم المرء باختراع اساليب التفنن للهروب ذاك، والاسلوب المفضل هنا هو ان يشهر احدنا تقريرا من الطبيب يظهر العجز و المرض لتجنب العمل اسبوعا او اكثر. والادارة في هذه الحالة امام امرين اما قبول ما ورد في تقرير الطبيب والموافقة على اعطاء عا ملها اجازة مرضية او طرد عاملها من العمل. وفي كلا الاحوال لا يكلف المرء عناء البحث عن فرصة جديدة للعمل كونه سيكون من ملاك ادارة الاعانة الاجتماعية ويصرف له راتب شهري بسيط للمعيشة، وهو حال العديد من الوافدين بمن فيهم الكرد. وبالرغم من ان الدول الاوربية قد افسحت المجال واسعا امام الوافدين لتلقي التعليم واكتساب مهنة ما وهي تصرف مبالغ ضخمة من الاموال كي ينخرط الاجنبي في سلك العملية الانتاجية عبر امتهان مهنة معينة وهي تكثف من انشاء دورات عديدة لتعليم اللغة، الا ان الاكثرية الساحقة لم تتعلم مهنة معينة ولم تتقن اللغات الاوربية ، وتعلم اللغة شرط اساسي لعملية انخراط واندماج الاجنبي في صيرورة الحياة في هذه المجتمعات، وبقي الكردي على طرف المجتمع كما كان حاله في المدن الكبرى للمجتمعات المجاورة في كردستان و بقي الكردي ملازما الكردي وهو يفتقر الى علاقات صداقة واسعة مع الاوربيين. وهو ناتج بالاساس من الخوف من ما تنتجه الحضارة الاوربية من ثقافة وتصرفات اجتماعية لا تناسب في كثير من جوانبها مع ما نحن قد تربينا عليه في كردستان، ان الجانب النفسي يطل هنا بقوة ومفاده ان الكردي يشعر هنا بنفسه انه غريب وهو بالتالي يقع على الجانب الاضعف ومعرض للتأثير اكثر من ان يكون هو المؤثر بمحيطه الاوربي وفوق ذلك لا يملك الكردي ما هو مناسب حتى يأخذه الاوربي ويجعله قاعدة لحياته هنا في اوربة. ان الشعور الطاغي بالذوبان والانحلال في نسيج هذه المجتمعات وفقدان العائلة والاولاد بعد ما فقد الكردي اهله وارضه يدفع المرء الى الابتعاد عن محيطه الاجتماعي والتقوفع داخل مجتمعات موازية لتلك الموجودة هنا، وهو فوق ذلك شعور خطير يؤدي بالمرء الى حالات من اليأس والقنوط قد تؤدي الى الجنون والانتحار واقتراف جرائم كبيرة . ان الشعور بعدم الامان والقلق الدائم السائد الآن لدى الكرد هو شور خطير ام يألفه الكردي سابقا. احدنا لا يشعر بالامان انه لن يطرد من عمله غدا وبذلك يكون عالة على دوائر الاعانة الاجتماعية، او بالعكس لا يشعر الكردي انه سيلاقي يوما ما عملا دائما يتخلص بموجبه من تبعات تلك الدوائر. هذا وللكثير من ابناء الكرد التزامات مادية تجاه اهله في كردستان عليه تسديدها متى ما طلب الاهل تلك المساعدة. والملاحظ ان الكردي ما ان يحصل على كمية من النقود يرسل بها الى الوطن لشراء قطعة ارض او شقة سكنية او تنفيذ مشروع ما، وهو يريد ان يبين انه هنا في اوربة في اقامة مؤقتة سيرحل من هنا يوما ما، وتمر الايام والكردي باق لا يرحل، وتمر السنون ويكبر اولاد الكرد ويتزوجون ويؤسسون عائلات الجيل الثاني والكردي لا يرحل ولن يرحل ابدا. و اذ يعيش تناقضا في قرارة نفسه، انه هنا جسديا ولكنه هناك في كردستان ذهنيا، انه يسترد ذكريات طفولته بلذة فائقة ويتغنى بتلك الذكريات العزيزة عليه . ان الكرد يفتقد هنا للمؤسسات العامة وخاصة الاجتماعية والاقتصاد ية المهتمة بالشأن الكردي العام والداعمة للنشاط الكردي، هذا النشاط ولو على بساطته بحاجة ماسة الى دعم مادي قوي من لدن الجالية الكردية في اوربة، واذا ما تفضل ابناء هذه الجالية بارسال ما تم جمعه وادخاره خلال سنوات وسنوات الى اهله فكيف يتقوى نشاط الكرد هنا في سبيل كردستان. ان شعور البقاء المؤقت هو سبب آخر من اسباب ضعف نشاط الكردي هنا في اوربة. حان للكرد ان يحسم امره وحان له ان يقر انه دائم البقاء هنا وستصبح هذه البلدان موطنا له وبلد اولاده، وعلينا ان نفكر بحياة هؤلاء الاوربيين وكيف صنعوا لانفسهم بلدانا في غاية الدقة والنظام وانتجوا الات تعمل وتنتج ارقى المنتوجات وبنوا نظاما للاعتناء بكل ما يحيط بالمرء من الطبيعة والمدن والقرى. على الكردي ان ينظر ويرى ماذا يجري حوله وبعد مرور سنوات عديدة من مكوثه في هذه البلدان عليه ان يستوعب مقامه ويركن الى فكرة بسيطة وهي انه بالعمل الجاد يستطيع الانسان بلوغ الكثير ، اما الاعتماد على ما تقدمه دوائر المساعدة الاجتماعية تكفي كي لا يموت الانسان جوعا. ان الاوربيين بلغوا ما بلغوه فقط بالعمل الجاد وبالاعتماد على العلم ومشوراته، وما علينا الا ان ندفع اولادنا الى اتقان ناصية العلم والمعرفة كي نرتقي قليلا عن ما نحن عليه، ان اولادنا يذهبون يوميا وبالمئات الى مدارس ومعاهد البلدان الاوربية ينهلون من مختلف المصادر العلم واختراعاته وما علينا الا قليلا من الاعتناء بهم وعدم ضخ رؤوسهم بما هو محشو في رؤوسنا، ان الذي اتى من كردستان بستانيا وفلاحا وعاملا وخياطا وميكانيكيا من الصعب عليه قيادة من يتعامل مع الكومبيوتر والانترتت ومنجزات العلم. العائلة الكردية في المهجر 4 د. محمد زينو بين السئ والجيد، بين الصالح والطالح، نحن لسنا في السوق لشراء لوازم الطبخ والطعام او لباس يناسب بدننا، نحن هنا في هذه البلدان قد دخلنا معمعان الحركة الكبيرة والجارفة لكل ما قد تعودنا عليه في ماضينا في كردستان، ان الحضارة الغربية تغزو العالم بأكمله، فهي لم تأت الينا بل نحن قد قذفنا بأنفسنا وعوائلنا الى أحضان هذه الحضارة، نحن قد ذهبنا اليها سواء مجبرين او بمحض ارادتنا ، وعليه ، انها تلفنا وتجرفنا مع تيارها الجارف ، انها تدخل بيتنا وغرف نومنا واخيرا تدخل روؤسنا وتتصرف بما سنفعله اليوم وغدا، نحن لسنا احرارا حتى نقول … انك يا حضارة الغرب لا تناسبنا. نحن لا نملك وسائل الدفاع عن تراثنا سوى بعض من بقايا مواعظ واسلوب للتربية يستند اساسا الى الانتاج الزراعي وفي اطار القرية الكردية الفقيرة والمحرومة لمجمل لوازم التطور، نحن نملك جملة تقاليد وتصرفات كانت مناسبة نوعا ما لتلك البنية الاجتماعية في كردستان ولكنها قد لا تكون بذات المفعول في بيئة هذه المجتمعات الغربية التي يكبر في كنفها اطفالنا، الذين يذهبون يوميا وبالمئات الى مدارس ومعاهد ودور الاطفال ، وينظرون ما يفعله الطفل والفتاة والشاب الغربي وهو يحاول ان يقلد ويفعل مثله والطفل الكردي اذ لا ير في تقليده ما هو مخالف للعرف الاجتماعي المحيط به، ولكنه ما ان يتخطى عتبة منزله الكردي حتى يصطدم بالممنوعات والعوائق تحت شعار لا يفهمه … نحن اكراد هذا لا يجوز لنا وذاك مخالف لعرفنا وهذا عيب وذاك عار . ان اولادنا يعيشون في بيئتين مختلفتين في هذه البلدان ، انهم يتابعون مسلسل حياتهم اليومية في المدرسة والشارع ومكان العمل مثلهم مثل اقرانهم اولاد العائلات الغربية ، ولكنهم ما ان يكونوا قد دخلوا منازلنا حتى وجدوا انفسهم في اجواء عالم اخر. يتابع الطفل الكردي سير حياته حرا خارج المنزل يفعل ما يشاء ويقول ما يشاء ، انه حر في تفكيره وفعله، انه ينمي شخصيته دون عوائق ، وهذا ما تعود عليه الانسان في المجتمعات الغربية ، فالانسان هنا لا يفعل شيئا في العتم والسر، انه يفعل كل شيئ نهارا جهارا، وعندما نقول له مثلا … هذا عيب لا يجوز. انه لا يفهم قولنا و لا يستحسن موعظتنا، وهو اذ يسمع قولنا ولكنه لا يفهمه ولسان حاله يقول … لماذا هو عيب ، انه عيب عندك ولكنه مسموح به عندنا. اما اطفالنا، والحقيقة تقال يعيشون بشخصيتين، احداهما خارج المنزل غربية النمط واخرى داخل المنزل شرقية التوجه، واخطر ما في الامر هو ان يعيش المرء بشخصيتين مختلفتين، الاولى حرة تفعل وتقول ما تفكر والاخرى مقيدة بموروثنا الشرقي. قالت لي احدى فتيات عائلة كردية صديقة … الحقيقة ان المجتمع الكردي يتكون من جملة من الممنوعات …. وهي اذ تتكلم عن المرأة الكردية، انها ممنوعة من الضحك، انها ممنوعة من ابداء رأيها وقول ما تفكر به ، انها ممنوعة من الصداقة العلنية والحب العلني، انها ممنوعة من تحديد مستقبلها.ان الفتاة الكردية ان ضحكت فبالسر وان تكلمت وابدت رايها فلا احد يبدي اهتماما بقولها وان احبت فبالسر والخفاء واخيرا لها ولي امر مستقبلها. وهذه الفتاة محقة بالكثير بما تقول. واخيرا سمعت ان والدها زوجها بابن عمها … الامي اثناء زيارتها لسورية. وهذه الفتاة ما هي الا نموذجا صغيرا لمئات الفتيات الكرد في هذه البلدان. …. رن جرس التلفون واذ باختي ترحب بي وتتكلم بمودة غير معتادة . حدثني احد معارفي في المانيا. … ارجو ان لا ترفض طلبنا … ابنتك شيرين جميلة و نخطبها لابننا. وبحكم العادات لم استطع رفض طلبها، وهي اختي الكبرى فوافقت ، ثم لكي يرتاح ضميري كلمت ابنتي ذات 13 سنة بالموضوع فلم ترفض وقالت …. انت الاعلم يا بابا. جرى مراسيم الخطوبة تلفونيا وفرح الجميع، الا ان الطفلة شيرين التي لم تستوعب الحدث كلمت في اليوم التالي احدى صديقاتها في المدرسة . انني مخطوبة لابن عمتي هل رايته لا و تطور الامر الا ان وصل الخبر الى احدى المدرسات، التي لم تستوعب هكذا افعال من اناس يعيشون في دول تحترم القوانبن وتصون الحريات. لان مسالة الزواج هي مسالة شخصية لا يجوز للعمات والخالات التدخل بمصير طفلة في سنين الدراسة الاولى، فقررت هذه الآنسة الغربية مع مدرسة اخرى ان تذهب الى ابو شيرين وفاتحت الموضوع معه. وبحكم عدم اتقانه الجيد باللغة الالمانية قرر الوالد ان الحديث معهن عديم الجدوى وهو يعتبر فوق ذلك تدخلا بامور شخصية لعائلته، فاوقف الحديث الذي لم يدم سوى دقائق معدودة. اما شييرين فاصبحت اضحوكة في المدرسة بين قريناتها والمسكبنة ما زالت تعاني من آثار سخرية زميلاتها. ولما بلغت شيرين سن 18 اعلنت وبجرأة انها لا تريد الزواج من ابن عمتها الذي لا تعرفه الا من خلال رسالة او رسالتين وباللغة العربية التي تجهلها او من خلال زيارة سورية في السنة اسبوعبن او اكثر. وانت ايها القارئ الكريم تتوقع كيف سيكون رد فعل الكردي في مثل هذه الحالات والتي يعتبرها اهانة كبيرة لشخصه امام ذويه. ومثال شيرين ماهو الا نموزج بسيط لمئات فتيات الكرد في هذه البلدان ، تلك اللواتي اصبحن ضحية العلاقات الاجتماعيةالشرقية، ان الاب لا يستطيع رد طلب اخته فتقع الصبية شيرين ضحية هذه العلاقة، والاب يحاول ان يخدع نفسه فيسال طفلته ذات 13 سنا رايها يزواجها من ابن عمتها الحنونة. والمسكينة شيرين لم تنضج عقليا حتى يكون لها راي في مثل هذه الامور، وهي خجولة في مثل هذه المواضيع وخجلها يفهم انها موافقة على طلب عمتها. يا له من منطق عظيم. واعتقد ان لدى القارئ العزيز امثلة اخرى اكثر ماساوية من تلك اتي اوردتها باسم شيرين. ونحن نقرأ بين حين وآخر قصة هروب فتاة كردية من بيت ابيها ، او نقرأ نبأ قتل فتاة كردية لم توافق على طلب الزواج من ابن العمة او الخالة. والملفت للنظر في كل هذه الحالات ان المرأة هي الطرف الوحيد كضحية العلاقات الاجتماعية، وهذا عائد الى كون المجتمع الكردي مازال ينظر الى الذكر كسيد له كامل حرية التصرف بنفسه وجسمه دون سائل او رادع، اما الانثى فهي مقيدة تماما ولا تستطيع ان تتصرف بجسمها كما تشاء ، ان جسمها ملك غيرها، وهي غير حرة بالتصرف، انها مرتبطة بمسائل الشرف وسمعة العائلة اكثر من الرجل، نحن مجتمع الذكور نرى شرفنا وعرضنا ومعنى وجودنا من خلال سلامة سيقان المرأة. لذلك يرى الكثير من الكرد وما شابه من الامم ذوي الاصول الشرقية الحضارة الغربية ليس من خلال التقدم التكنولوجي العظيم، وليس من خلال التنظيم الفذ لامور الادارة والحياة، ليس من خلال الترتيب والنظافة والاعتناء بالبيئة المحيطة ، وليس من خلال ما تقدم هذه الحضارة من ادوات العمل والانتاج الراقية ووسائل الراحة والرفاهية للناس، اننا نرى ونقيم هذه الحضارة من خلال تصرفات المرأة التي حددنا، نحن معشر الرجال مجال حركتها. فثقافتنا وتربيتنا الشرقية ذات الاصول القروية والمستندة ا ساسا الى اسلوب الانتاج الزراعي ،كما ذكرت سابقا، لا تسمح لنا برؤية بناتنا على شكل قريناتها الغربيات من صدر مكشوف وصداقات حميمة وعلاقات جنسية قبل الزواج، لذلك يفعل الكردي كل ما من شأنه ان يزوج بنته في سن باكرة للخلاص من تبعات الكبر في هذه البلدان، ولكن لا يفعل الكردي الشيئ ذاته بالنسبة لولده، ان الولد الكردي يصادق من يشاء ويأتي الى البيت متى يشاء ويتزوج من يشاء، انه حر، انه ذكر، رمز الرجولة والبطولة الشرقية. ولكننا ننسى ان المرأة التي خرجت من البيت الى المدرسة ومن ثم الى مجال العمل لمنافسة الرجل في جميع مجالات الحياة، المرأة التي اصبحت طبيبة ومهندسة وصدلانية ومعلمة وموظفة من المستحيل ان يرجعها الرجل مهما كان له من قوة العضلات الى البيت وتقييد حركتها بين غرفة النوم والمطبخ وتحديد وظيفتها بالولادة والطبخ اللذيذ . اننا نعيش عصر قوة العقل وقد ولى عصر العضلات وركوب الخيل والتغني بالامجاد وا لبكاء على اطلال القدماء، كل ذلك اصبح مكانه في المتاحف ينظر اليها اولادنا من خلال نوافذ من الزجاج. وعليه تبقى درجة تقدم الامم بمدى قدرة المرأة على الحركة والانتاج. ان العائلة الكردية في اوربة في احتكاك يومي بكمية كبيرة من المعلومات وهي تعاشر اجناس وامم مختلفة وهي مع تماس مباسر مع منجزات العلم والتكنولوجيا العظيمة ، انها في حركة مستمرة ، انها في تغيير مستمر ومع كل هذه الحركة والتغيير تتغير العادات والتقاليد والتصرفات والنظر الى الحياة وما عليها، ومع كل حركة وتغيير يتولد جيل جدبد من اولاد الكرد ، جيل الانتاج الاوربي بكل سلبياته وايجابيته. العائلة الكردية في المهجر 6 المثقف الكردي د.محمد زينو من الجائز ان نطلق تسمية الهجرة الكردية الى اوربة بالهجرة العامة، التي اتخذت صفة الشمولية، فهي لم تقتصر على الفئة الكادحة من الكرد، كما لم تقتصر على الفئة الغنية والثرية من المجتمع الكردي. فقد هاجر من كردستان واستقر في البلدان الاوربية ابناء العائلات الغنية والثرية،الذين لم ينقصهم في كردستان المال والجاه ولم ينقصهم فرص العمل والحصول على السمعة الطيبة والمكانة المرموقة في المجتمع،هؤلاء الذين ان ساروا في ا لشارع يشار لهم بالاصبع وترفع لهم عشرات الايدي تحية وتمنيات بالسلام والصحة والعافية، هؤلاء الذين يملكون اراض زراعية واسعة يعملون بها عشرات العمال الزراعيين ، هؤلاء الذين يملكون محلات عديدة في المدن الكردية وغيرها، بكلمة الذين بمقدورهم الحصول على مرامهم باشارة من اصبعهم. كما هاجر ابناء العائلات الفقيرة الذين لم يكن بمستطاعهم تامين الاسس الضرورية للمعيشة في بلدان تصبح لوازم المنزل والحياة كثيرة يوما بعد يوم، هؤلاء الذين ضاقت بهم القرية الكردية ووقعوا تحت جور ظروف شاقة في المدن الكبيرة. لقد باع اكثرهم كل ما يملكونه وتوجهوا شطر البلدان الاوربية بحثا عن ما هو افضل واجمل واقل كلفة وجهدا. والملفت للنظر في حيثيات هذه الهجرة ان الفئة الاكثر تعلما من المجتمع الكردي بذلت جهودا كبيرة للوصول الى اوربة. هذه الفئة التي لا ترغب العيش وفق منظور الاباء ولا تستطيع العيش كما ترغب، فقد هاجرت هي الاخرى بحثا عن ما هو اجمل وسهل الحصول على مستلزمات الحياة. ونحن نرى اليوم في معظم البلدان الاوربية عشرات من مثقفي كردستان من الشعراء والكتاب والمهندسين والاطباء والمعلمين الكرد، لقد استقر هؤلاء هنا ويتابعون نشر افكارهم ونتاجاتهم الادبية سواء عن طريق النشر على صفحات المجلات والجرائد الكردية او على صفحات الانترنيت الناطقة بمختلف اللغات . هذا واصبح لدى المثقف الكردي امكانية التلاقي والاحتكاك مع الادباء والعلماء والمثقفين الاوربيين، كما اصبح المثقف الكردي على اضطلاع والمام اوسع على نتاج الحضارة الاوربية من قيم ادبية وعلمية رفيعة وهو يحاول ان يجد للادب الكردي مكانا لائقا بين الادب الاوربي. لقد حمل المثقف الكردي هم الشعب الكردي الثقيل على كتفه وهو يجوب به في هذه البلدان ، ورغم صعوبة المهمة ورغم ضرورة تخطي حواجز نفسية ومادية كبيرة وكثيرة ورغم ضغط ظروف الحياة هنا في هذه البلدان ، يحاول المثقف الكردي ان ينشر ما يخالجه من افكار وتصورات عن المستقبل الكردي هنا في اوربة وهو يهرول من بلد اوربي الى آخر ومن مدينة اوربية الى آخرى. اننا نقرأ نتاجا ادبيا كرديا رفيعا باللغات الاوربية وغيرها من الشعر والقصة والرواية وكتب السياسة وعلم الاجتماع والتاريخ. هذا وسعى المثقف الكردي الى محاولات شتى لتنظيم صفوفه المتبعثرة ، وان لم ينجح كثيرا في هذا المجال، فقد عقد هؤلاء عشرات الندوات واللقاءات التي ادت الى تأسيس جمعيات كردية ،ولو ضعيفة وفقيرة شانها شان حالة الكرد بشكل عام، جمعيات تهتم بنشر الادب الكردي قديمه وحديثه. لقد وجد المثقف الكردي نفسه في معمعان حركة المجتمع الاوربي بكل تقلباته وفجائيته، حيث لم تستقبلهم السلطات الاوربية كشاعر او كاتب او اديب، ولم تأمن لهم حياة هادئة وراغدة ولم تقل هذه السلطات للمثقف الكردي …انت ايها المثقف الكردي …اهلا وسهلا بك في اوربة ومن الآن فصاعدا ما عليك الا المكوث والجلوس والاضطلاع وكتابة افكارك القيمة وعلينا تقع مهمة نشر ما تؤلفه عن الكرد وكردستان واليك جميع مستلزمات الحياة المادية والمعنوية. لقد استقبلت السلطات الاوربية المثقف الكردي كأي لاجئ ووافد من ابناء الكرد، فقد زج بهم في غرف صغيرة وضيقة مع الآخرين وحصل الكاتب الكردي على ذات الهوية والمعاش ومستلزمات الحياة الاخرى ووقف في صفوف متراصة لتلقي الطعام شأنه شأن الكرد الآخرين. وهو ان حصل على وثيقة الاقامة ومن ثم حصل جنسية الاتحاد الاوربي اضطر بعدها الى مزاولة شتى الاعمال العضلية الشاقة لتأمين لقمة الخبز لاولاده وعائلته وهو يحصل على ذات النقود والفلوس ،انه يعيش من قوة عضلاته وليس من ما يؤلفه من كتابات وما يقرظ قريحته من شعر وبلاغة. هناك صفة عامة لدى المثقف الكردي وهي ان المثقف الكردي ليس بمثقف السلطة، انه لا يعيش من صدقات سلطة ما سواء في كردستان او هنا في اوربة ، حيث لا توجد سلطة تمول نشاط المثقف الكردي وتؤمن له اسس معيشته وهو لا يعتمد في معيشته من هبات السلطات و لا من نتاجه الفكري ،ان المثقف الكردي عامل يعيش من قوة عضلاته. وهو اذ يرجع مساء الى منزله لا تستقبله زوجته او اطفاله بسؤال عن قصيدة كتبها و مقال الفه ، بل تساله عن ما قد حصله اليوم من قروش جراء عمله، وهو ان كتب والف لايحصل على جزائه من سلطة او هئية او مؤسسة كردية على فلوسه، انها لماساة ان يكون المرء كاتبا كرديا. ان المجتمع الكردي يفتقر الى وجود عائلات غنية وثرية تمول من اموالها نتاجات الادباء الكرد. وكم كان جميلا لو وجد شخص ثري كردي ينفق جزء ضئيل من امواله في سبيل الادب والشعر والقصة والرواية الكردية. ولعلني لا اخطأ ان قلت ان شخصا كرديا وهو الاخ محمد امين كان يمول لسنوات عديدة مركز الدراسات الكردية في مدينة موسكو الروسية الذي كان يديره المرحوم البروفيسور شاكرو خدو و الاستاذ بشير ملا صبري، الا ان هذا التمويل توقف لاسباب لا اعلمه واضطر المرحوم الى اغلاق المركز الذي قدم للمكتبة الكردية اعمالا رائعة في مجال اللغة الكردية والادب والمجتمع والتاريخ الكردي كان ذروتها صدور كتاب … تاريخ كردستان باللغة الروسية. كما يفتقر المجتمع الكردي الى مؤسسات مالية ضخمة تنفق جزاء من وارداتها للاعمال العلمبة او الادبية الكردي

المزيد