بقلم: فرج نمر
قبل كل شيء, وأنا أكتب هذه المحاولة التواضعة, أريد أن أذكر بأن الكتابة في التاريخ الكردي مهمة صعبة ولكن المساهمة في صنعه أصعب, وأراني ملزماً بالانحناء أمام كل من ساهم صادقـاً في العمل من أجل رفع الغبن عن شعبه, وبالاسلوب الذي رآه مناسباً. اطلب العذر ان أغفلت حقيقة أو أخطأت, وأملي هو أن يصحح القارىء ما قد يراه من أخطاء. إن تطور الحركة الوطنية الكردية تخضع و تتبع ثلاثة عوامل أساسية, أولا: العامل الداخلي البنيوي الذي يتعلق بالبنية الجيو-سياسية و الاجتماعية للمجتمع الكردي. ثانيا: العامل الكردستاني, حيث أن أي تغير في أي قسم من كردستان, يعكس آثاره على الأقسام الأخرى. و ثالثا: العامل الخارجي المتعلق بالتطور العام في الدول التي تقتسم كردستان من ناحية و متعلق بتطورات السياسة الدولية في المنطقة من ناحية أخرى.
إذاً, على ضوء هذه العوامل سنحاول ايجاز تطور و بيان وضع الحركة الوطنية الكردية المنقسمة الى درجة أن أكثر السياسيين اطلاعا لا يمكنه التحكم و الالمام بتفاصيلها, و لا سيما و أنه لم يبحث أحد في شموليتها مما يزيد مهمة الباحث صعوبة.
ومنذ البدئ, نريد أن نقول بأن أغلبية التنظيمات الكردية تطالب بالحقوق القومية والثقافية للأكراد, كما تطالب بمشاركتها في مؤسسات الحكم, وعند حديثنا عن كل تنظيم سنحاول بيان ما يميزه عن غيره ايديولوجيا أو ساسيا.
أن طبيعة موضوع هذا البحث يفرض تبني المنهج التاريخي-التحليلي في البحث, و لذلك سنتبع خطة منبثقة من التطور التاريخي للحركة السياسية الكردية.
نذكر, بأننا عند الحديث عن التنظيمات الكردية, نحاول مراعاة الاعتبارات الأمنية من ناحية, وتثبيت المواقف و الحوادث السياسية للتاريخ من ناحية ثانية.ولانريد أن ندخل في تفاصيل اعتبرناها لا تستحق الذكر اما لأنها معروفة من قبل العامة أو لأنها قد تمس بعض الأشخاص في ذاتهم.
الانطلاقة و الصدمة
تم تاسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية(البارتي) عام 1956 , من قبل اوصمان صبري وحميد درويش, ثم انضم اليهما حمزه نويران و رشيد حمو, و محمد علي خوجه وخليل محمد, و شوكت حنان, وبعد استشارة كل من نور الدين ظاظا و جلال الطالباني تم اعلانه بشكل رسمي في 14 حزيران 1957 . واتصالاتهم مع الشيخ محمد عيسى ملا محمود كانت أكيدة منذ البدايات. و حسب ما أكده لنا اوصمان صبري فان البارتي كان يطالب ويعمل من أجل تحرير و توحيد كردستان.
في 12 آب عام 1960تعرض أغلب قياديي البارتي للاعتقال, دخلت الحركة الوطنية الكردية في سورية في مرحلة جديدة.
في هذه المرحلة, وبسسب الاعتقالات و الملاحقات, تعرفت النخبة السياسية القومية على مدى قدرتها الفعلية على تحمل أعباء المهام النضالية التي كانت باقية حتى ذلك الحين ضمن الاطار الكردي والاجتهاد النظري.
لقد أعطت هجمة السلطة الفرصة للقيادة في تقييم جديد للواقع حسب الامكانيات الكردية ووفق ظروف العناصر القيادية ومدى التجاوب الشعبي و الظروف الكردستانية وطبيعة السلطة وسياساتها الكردية. ولجأت القيادة الى اعادة النظر في حساباتها السياسية و الادائية حسب تقييماتها الجديدة.وكل هذه التطورات ساهمت فيما بعد 1961 في زرع بذور الشقاق في الأوساط القيادية الكردية.
فقد اصبح اسم التنظيم الحزب الديمقراطي الكردي في سورية(البارتي), و تم التركيز بشكل أكبر على التطورات السياسية في كردستان العراق. فكان البارتي يوجه بالدرجة الاولى دعايتة السياسية لدعم ثورة أيلول بقيادة ملا مصطفى البرزاني. في حين لم يستطع البارتي تحقيق أي مكسب سياسي لأكراد سورية.فاستطاعت السلطات العربية السورية برمجة وتنفيذ سياساتها ضد الأكراد بنجاح قل ما له مثيل في التاريخ المقارن.
انشقاق البارتي.. يسـار و يمـين
أول انشقاق تنظيمي تعرض له الحزب الديمقراطي الكردي في سورية (البارتي) هو انشقاق 5 آب 1965, الذي قسمه الى تنظيمين (يمين و يسار) بعد أن كان تنظيما قوياً الى درجة أنه أهاب و أرعب رئيس الشعبة السياسية في الجزيرة في بداية عهد البعث.
لقد ساهم عاملان أساسيان في هذا الانقسام بين قيادة البارتي, أولهما مرتبط بالمجتمع الكردي و سياسة السلطات السوريه, وثانيهما مرتبط بالتطورات السياسية الكردستانية.
1-العامل البنيوي:
كان البارتي عبارة عن تشكيلة سياسية تضم الأكراد من كل الطبقات و الفئات الاجتماعية. فلم يستطع :أن يصمد ويبقى متماسكا أمام المزاعم البعثية (الحكومية) بالاصلاح الزراعي الذي كان يعده البعض خطوة تقدمية في المجال الاجتماعي. فالبارتي برفضه للمشروع الحكومي, أصبح هدفا للانتقادات واتُهم بالرجعية من قبل الحزب الشيوعي السوري ذو الانتشار الواسع في الوسط الكردي.
كان يركز مثقفو البارتي على المسألة الاجتماعية من أجل كسب الفلاحين الأكراد, الذين كانوا يشكلون القاعدة الجماهيرية الأساسية للحزب في حين كان الملاكون الكبار يركزون على المسألة القومية.
أدى هذا الى وجود تيارين في البارتي. لكن لم يتم الانشقاق حسب هذا المنطق, مثلما يتصوره البعض, لأن المثقفين, هم بالذات, كانوا من ذوي الميول "البرجوازية الثورية" و لم يتخلوا أبداً عن المطالب المتعلقة بالحقوق القومية.
و نظراً للعلاقة المتينة بين البارتي و الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق. بقي البارتي متماسكا ما دام حليفة (الوصي) متماسكاً.اذاً العامل البنيوي كان ذو فعل لكن غير حاسم في عملية الانشقاق التي تمت بفعل العامل الكردستاني.
2-العامل الكردستاني:
كانت الحركة الوطنية الكردية ضعيفة جدا في كردستان الشمالية خلال الستينات. حيث تم تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في تركية 1965, بتأثير من قيادة الحزب الديمقراطي الكردي في سورية.
في هذه الفترة, كانت النقطة الساخنة في الحركة الوطنية الكردية, تتجسد في حركة ملا مصطفى البرزاني في كردستان الجنوبية (العراق), وكانت الأنظار الكردية موجهة نحو رئيسه البرزاني, و كان تماسك هذه القيادة الأخيرة و نفوذها الشعبي و قوتها "العسكرية" هي بمثابة صمام أمان لوحدة و تماسك قيادة البارتي في سورية, لكن في حزيران-تموز 1964, حدث انشقاق في قيادة (ح.د.ك-العراق) بين البرزاني و من حالفه من جهة, و جلال الطالباني و ابراهيم أحمد و من ساندهما , و كان رد فعل هذا الانشقاق في البارتي مثيلا, إن لم يكن تطابقا. فالبعض من القادة أيّد البرزاني, و سموا أنفسهم باليساريين, في حين أيد آخرون الطالباني و ابراهيم أحمد و سموا باليمينيين (لأنهم وقفوا مع من تركوا الثورة, و خانوا البرزاني, حسب رأي العامة).
اجتمع قادة أنصار البرزاني (في البارتي) في 5 آب 1965, و أعلنوا تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي اليساري في سورية, بقيادة اوصمان صبري .
انعقد المؤتمر الأول لليسار (ح.د.ك.ي.س) في 1966, و تبنى المؤتمرون مبدأ "النضال من أجل الحقوق القومية على ضوء النظرية العلمية", ووضعوا برنامجا "على ضوء التطورات التي شهدتها الساحة السورية, ولادة الصراع الطبقي و ردود فعله في المجتمع الكردي باعتباره حزءا من المجتمع السوري" . وتمت المطالبة أيضا "بمطاليب الشعب الكردي, الحقوق السياسية و الثقافية و الاجتماعية في اطار الادارة المحلية على أساس الوحدات القومية".
بينما بقي مؤيدو الطالباني تحت الاسم القديم للبارتي (ح.د.ك. في سورية), بقيادة حميد درويش, و عرف هذا الحزب بين الأكراد بـ (اليمينيين). منذ عام 1975, أضيفت كلمة (التقدمي) الى هذا الحزب لتمييزه عن بقية التنظيمات التي كانت تحمل اسم ح.د.ك في سورية.
عقب الانشقاق, انسحب كثير من الأكراد الوطنيين من العمل السياسي, أو على الأقل أصبحوا خارج الاطار التنظيمي لهذا العمل.
محاولة المصالحة.. القيادة المرحلية
بعد انشقاق الحزب الديمقراطي الكردي في سورية الى تتنظيمين (يسار و يمين), حاول البرزاني أن يصالح و يوفق بين أقطاب التنظيمين لتوحيدهما. و من أجل هذا الغرض, شكل لجنة من بعض الوجهاء الأكراد, كان دور الملاكين العقاريين راجحا بينهم, اضافة الى بعض رجال الدين (الملالي). لم تتمكن هذه اللجنة من تحقيق الهدف الذي كانت قد شكلت من أجله. مما اضطر البرزاني الى تنظيم مؤتمر وطني في 26 آب 1970, في ناوبردان, الواقعة في كردستان العراقية, لكن لم يتمكن البرزاني من التوفيق بين المنشقين. و ذهب كل فريق, بعد المؤتمر, في طريقه الخاص, وبالتالي أصبحت لجنةالمصالحة, هي أيضا, منظمة سياسية تحت اسم (القيادة المرحلية), عرفت عند الأكراد بالحياد, و منذئذ, أصبحت الحركة السياسية الكردية في سورية منقسمة الى ثلاثة منظمات.
الانشطارات التنظيمية
1- انشقاق القيادة المرحلية (الحياد).
منذ عام 1972, كان الأمين العام دهام ميرو و القادة الأساسيون معتقلين. ظهرتياران بين العناصر القيادية التي بقيت خارج السجن, تيار سياسي يقوده الملاكون العقاريون, وتيار آخر يقوده الملالي.
فمن المعروف بأن الملالي كانوا يعيشون على ما يعطى لهم من زكاة و صدقات, و المالك العقاري هو الذي كان يستطيع اعطاء الأكثر, لذلك كان الملا تابعا للمالك بشكل عام. لكن بعد الاستيلاء على الأراضي في المنطقة الكردي, تزعزعت علاقة التبعية بين المالك و الملاّ. فتحول الملالي عموما الى حرفيين (مصلحي الساعات-خياطين000) لأن الملاكين لم يعد يعطيهم الزكاة. و هذا الشرخ الاجتماعي انتقل الى داخل القيادة المرحلية فتشكل فيه تياران كما أسلفنا.
اتفق التياران على أن يحتكما عند ملا مصطفى البرزاني. و في بداية عام 1975, ذهب كل من ملا محمود ملا صبري من جهة وجميل حاجو من جهة أخرى, الى كردستان العراق لعرض خلافاتهما على البرزاني. لكن اتفاقية 6 آذار 1975 العراقية-الايرنية أخمدت ثورة البرزاني و اضطر هذا الأخير اللجوء الى ايران, فرافقه مع من رافقه مبعوثي القيادة المرحلية. بعد ذلك عاد هذان المبعوثونا الى سورية و ادعى كل منهما بأن البرزاني قد ختم له وثيقة الثقة. و بالتالي فكل تيار تحول الى حزب, و كل منهم عقد مؤتمره (الثاني).
احتفظ العقاريون باسم الحزب القديم (الحزب الديمقراطي الكردي في سورية), و استمروا في اصدار نشرة /دنكي كرد/ (صوت الأكراد), و حميد سيدو أصبح أمينا عاما للحزب, في حين كان جميل حاجو أكثر شهرة, وخلفه فيما بعد الياس رمكو, و أخيرا في 1980 استلم كمال أحمد آغا (موظف في دائرة السجل العقاري بالقامشلي) الأمانة العامة. و هذا التنظيم ينفذ السياسة التي يتبعها مسعود البرزاني في كردستان العراق.
أما تيار الملالي, فاختار لنفسه الشيخ محمد باقي شيخ محمد عيسى أمينا عاما . و غيروا اسم الحزب من (ح.د.ك. في سورية) الى (ح.د.ك. السوري), وتابع هذا الحزب من طرفه في اصدار جريدة دنكي كرد. لا فرق بين هذا الحزب و حزب العقاريين, فبرنامجهما متطابقان منذ الانطلاقة الأولى لهما, مطاليبهما واحدة, و الحزبان يؤيدان (النظام الوطني التقدمي في سورية), و هما لا يدعيان بالماركسية, لكنهما يؤيدان سياسة الدول الاشتراكية و على رأسها الاتحاد السوفيتي.
- تطورات الحزب الديمقراطي الكردي اليساري في سورية:2
تعرضت قيادة و أعضاء الحزب الديمقراطي الكردي اليساري في سورية (اليسار) للملاحقات والاعتقالات خلال عامي 1974-1975, أي أثناء تنفيذ الاستيطان في الجزيرة.
كان الأمين العام صلاح بدر الدين, يقيم في بيروت, و حسب زعم مساعده الأيمن عصمت سيدا, كان صلاح بدر الدين يتعاون مع الأكراد العراقيين المتعاملين مع الحكومة العراقية و ذلك عن طريق الأكراد العراقيين الموالين لحكومة بغداد . و يدّعي عصمت سيدا بأنه عارض ذلك و طلب من صلاح الدين إمّا العودة الى سورية أو الاستقالة, ففضل صلاح بدر الدين الطريق الأخير.
مهما يكن من الأمر, فقد انشق الحزب الى حزبين عقب مؤتمره الرابع الذي انعقد في بداية عام 1975, حزب بقي يعمل بنفس الاسم القديم حتى 1980 عندما انعقد المؤتمر الخامس و تحول اسمه الى حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سورية, وذلك بقيادة الأمين العام السابق صلاح بدر الدين الذي لازال في نفس المركز الحزبي. يصدر هذا الحزب جريدة باسم اتحاد الشعب.
أما الحزب الآخر, فاتخذ لنفسه اسم الحزب اليساري الكردي في سورية, و ذلك بقيادة عصمت سيدا,وأصدر هذا الحزب جريدته المركزية باسم طريق الشعب. بينما التنظيم الذي بقي مع عصمت سيدا, عقد مؤتمره السادس في نهاية 1982. و المؤتمرات السابقة للحزب اليساري الكردي في سورية هي: في 1966 انعقد المؤتمر الثاني. و في 1973 انعقد المؤتمر الثالث و فيه تم تبغي الماركسية-اللينينية. و في نهاية 1974 و بداية 1975 انعقد المؤتمر الخامس, بالاضافة الى عدد من الكونفرانسات
هذان "الحزبان", لايوجد بينهما أي اختلاف فكري سوى أن كل منهما يدّعي بأنه ماركسي-لينيني أكثر من الآخر, وكل منهما يريد نفسه حزب العمال و الفلاحين الأكراد. مطاليبهما هي
المزيد