أوهام الإصلاح الديني لدى “العلمانيين

حزيران 10th, 2009 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , ثقافة ديمقراطية

جاد الكريم الجباعي    
يلفت النظر هذه الأيام، أنّ قضية "الإصلاح الديني" باتت قضية كثرة من "العلمانيين". ما يجعل القضية ملتبسة من المبدأ والأساس: علمانيون يريدون إصلاح الدين. بعضهم تقلقه الصورة التي يقدمها إسلاميون عن الإسلام، فتجعل منه معادلاً للإرهاب.

 وبعضهم الآخر يجترّ مرارة إخفاق "المشروع النهضوي العربي" والمصير الذي آلت إليه "حركة التحرّر القومي" العربية، على اختلاف تلاوينها، والتي يزعم بعضنا أنها "وحّدت الأكثرية الإسلامية السنّية والتقدّم"، ولو توحيداً هشّاً، ولا سبيل لإعادة بنائها واستئناف المشروع المغدور إلا بعد إنجاز الإصلاح الديني، الذي يعدّونه شرطاً لازماً للنهوض والتقدّم، لا نتيجة لهما. لذلك بات الدين عند بعضهم، هو الموضوع، وإصلاحه هو الهدف. والدين هنا هو الإسلام السنّيّ، دين الأكثرية العربية، لأنّ الإسلام الشيعيّ يندرج في عداد الأقليات العربية الإسلامية، كغيره من المذاهب الإسلامية.

ورغم كثرة الدوافع الباعثة على "الإصلاح الديني" واختلافها، وانطلاقها جميعاً من هاجس الهوية، فإنّ السؤال المطروح هو: هل بوسع العلمانيين أن ينجزوا مشروعاً من هذا النوع، وهل الإرادة الذاتية وحسن النية وسلامة القصد كافية لذلك؟ والسؤال الأهمّ: هل الإصلاح الديني شرط لازم للنهوض والتقدم أم نتيجة لهما؟ ثم هل بوسع المصلح العلماني أن يتجاهل تعريف حسن البنا للإسلام بأنه "دين ودنيا ودولة .. مصحف وسيف"، وهو تعريف يؤيّده ويعزّزه الكتاب والسنّة والتاريخ؟

منذ نشوء المعتقدات الدينية لم يخل أيّ منها من حركات إصلاحية ومحاولات إصلاح وعمليات إصلاح وإصلاح مضادّ، كانت دوماً استجابات مختلفة لحاجات الواقع وحكم الزمن، ولم تأت أيّ منها من خارج المجال الديني أو المذهبي المخصوص، وكان كلّ إصلاح في ملّة من الملل أو نحلة من النحل يفضي بالضرورة إلى نشوء ملّة جديدة أو نحلة جديدة أو فرقة جديدة أو مذهب جديد. الإسلام ليس استثناء، بل يكاد تاريخه أن يكون تاريخ نشوء المذاهب والفرق الإسلامية وعلاقاتها المتبادلة، تاريخ نشوء الأرثوذوكسيات والأيديولوجيات التفاضلية. فإنّ معرفة الإسلام، بوصفه ديناً في العالم وفي التاريخ، لا تكتمل إلا بمعرفة جميع المذاهب والفرق الإسلامية، التي يفترض أنها متساوية في القيمة الروحية، بغضّ النظر عن معتقداتها وعن عدد أتباع أيّ منها.

الإسلام إسلامات أو أرثوذكسيات لا تقبل الإصلاح، من خارجها، مثل سائر الأرثوذكسيات الأخرى، بل تقبل الانقسام فحسب. (وكذلك الأورثوذكسيات العلمانية)، وهذا لا ينفي أثر العوامل الخارجية الحاسم في معظم الأحيان. ذلك لأنّ الموضوع المعلن لأيّ نزاع داخليّ ينشب في أيّ منها، لأيّ سبب من الأسباب، هو المشروعية الأيديولوجية التي تباركها السماء. النزاع الداخلي يضعف الأيديولوجيات ويؤدّي غالباً إلى انقسامها، في حين يقوّيها نزاعها مع غيرها، ويزيدها تماسكاً وصلابة.

 الأرثوذكسيات تتجدّد وتتقوّى بتأويل الوقائع ونفي الزمن ومقاومة البدع والهرطقات وحذفها خارج مجالها الخاص مادياً ومعنو

المزيد


العقد الاجتماعي والمجتمع المدني ابراهيم الحيدري 2

أيار 2nd, 2009 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , ثقافة ديمقراطية

جون لوك - اساس القانون الطبيعي هو الحرية والمساواm
تختلف رؤية لوك(1632-1704) للطبيعة البشرية عن رؤية هوبز. ففي الوقت الذي اعتقد فيه هوبز بان الانسان اناني بطبعه وان الحالة الطبيعية هي حالة لا اجتماعية، فان لوك اعتقد بان البشرية كانت تعيش على الفطرة الأولية، وهي حالة صالحة تسير وفق قواعد مستمدة من القانون الطبيعي، الذي هو اسبق من القانون الاجتماعي. واذا كان اساس القانون الطبيعي هو الحرية والمساواة، فلا يعني ذلك الحرية والمساواة المطلقة التي يستطيع المرء بموجبها ان يفعل ما يشاء، لان حرية المرء مرتبطة بحرية الآخرين. ولذلك يجب الحفاظ عليها. ومن هنا فان البشرية لم تكن تعيش في “غابة من الذئاب” ويحكمها قانون الغاب حيث “حرب الكل ضد الكل”. وقد اضاف لوك بان القانون الطبيعي، الذي كان يضمن الحرية والمساواة لجميع الافراد، كان يستلزم بالضرورة وجود سلطة عليا وظيفتها تحقيق العدالة ونشر المساواة وذلك بسبب تشابك المصالح وتضاربها وكثرة الصراعات بين الافراد، الامر الذي دفع الناس الى الاتفاق على عقد اجتماعي يتنازل الافراد فيه عن بعض حقوقهم لفرد او جماعة يمثلون المجتمع.

الحق الطبيعي والملكية
ان سبب الصراع بين الافراد، بحسب لوك، هو السيطرة على الملكية، لان الصراع منذ البداية كان صراعا للسيطرة على جزء من الطبيعة، وان امتلاك جزء من الطبيعة من قبل فرد يتعارض مع حقوق الآخرين، او الحق العام. ومن هنا بدأ الاستغلال والصراع ضد هذا الاستغلال. ومن اجل تنظيم الملكية وتوزيع الحقوق والواجبات فقد اتفق الافراد فيما بينهم وتنازلوا عن بعض حقوقهم لشخص او جماعة وفق عقد اجتماعي ينص على التزام الافراد بطاعة الحكومة التي تتكلف بالمحافظة على حقوق الافراد وحرياتهم، وبنفس الوقت فان للشعب الحق في تغيير الحكومة اذا لم تلتزم بشروط العقد، ومن حق الشعب ان يخلع الملك وان يطرده اذا استبد او اصبح دكتاتورا.
ومع ان لوك كان قد اختلف مع هوبز اختلافا كبيرا حول رؤيته للطبيعة البشرية، غير انه اتفق معه في كون ان القانون الطبيعي غير متطور في عقول الناس. ومن اجل مبدأ المحافظة على النفس استنبط لوك الحق الطبيعي في الملكية، أي اقتناء الاشياء كحق طبيعي. وهكذا اصبح حق التملك بدون حدود في المجتمع المدني. فالملكية تقتنى عن حق، أولا بالعمل، ولكن العمل لم يعد في المجتمع المدني هو معطى الحق في التملك وان كان مصدرا لكل قيمة. ومن هنا فان نظرية لوك في القانون الطبيعي هي الاصل في النظرية الرأسمالية.
ان حق الملكية اذا وحسب لوك هو حق طبيعي، يقوم على العمل ولكن لا على الحيازة (التملك). وقد دعا لوك الى نظام ملكي مقيد بارادة الشعب، حيث تكون هناك سلطتين تشريعية وتنفيذية ولكل منهما واجبات معينة لا يمكن ان تتعداها. وعلى النظام الملكي ان يكفل حرية العمل لجميع الافراد، مثلما يكفل الحرية الشخصية، وكذلك حرية العقيدة، وان تقف الدولة على الحياد فلا تتحيز لعقيدة دون اخرى، وبذلك تكفل حرية العقيدة الدينية وحرية الكنيسة وفقا للقوانين العامة.
في عام 1666 اتصل باللورد شافتسيري الذي كان مهموما بالصراعات الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت التي سادت انذاك. وعندما اضطر الاخير الى الهرب الى هولندا بسبب الصراع الحاد بين الكاثوليك والبرتستانت هرب لوك معه. وفي منفاه كتب لوك رسالته في التسامح الديني كحق طبيعي وفضيلة اخلاقية.

التسامح حق طبيعي
في عام 1689 نشر جون لوك “رسالة في التسامح” باللغة اللاتينية ثم ترجمت الى اللغة الانكليزية. دعى فيها الى القضاء على بنية التفكير الآحادي المطلق وروح التعصب الديني المغلق واقامة الدين على العقل وبناء منظومة حقوق تؤسس لمفهوم التسامح تعتمد على مبدأ فصل المهام بين دور الكنيسة وبين دور الدولة ومبدأ المساواة في الحقوق بين جميع الطوائف الدينية.
كان هدف لوك في ذلك هو التأكيد على “انه ليس من حق احد ان يقتحم بأسم الدين، الحقوق المدنية والأمور الدنيوية.. وان فن الحكم ينبغي ان لا يحمل في طياته أية معرفة عن الدين الحق”. وهو يعني بذلك ان التسامح الديني يستلزم ان لا يكون للدولة دين، لان”خلاص النفوس من شأن الله وحده…ثم ان الله لم يفوض احدا في ان يفرض على أي انسان دينا معينا… وان قوة الدين الحق كامنة في اقتناع العقل، أي كامنة في باطن الانسان”.
وبسبب هذه الافكار هوجم لوك فألف رسالة ثانية في التسامح عام 1690 ثم رسالة ثالثة عام 1792.
ويمكن تلخيص دعوته في التسامح بقوله:” ليس لأي انسان السلطة في ان يفرض على انسان آخر ما يجب عليه ان يؤمن به أو ان يفعله لأجل نجاة نفسه هو، لأن هذه المسألة شأن خاص ولا تعني أي انسان آخر. ان الله لم يمنح مثل هذه السلطة لأي انسان ولا لأية جماعة ولا يمكن لأي انسان ان يمنحها لانسان آخر فوقه اطلاقا”. ويرجع هذا الى سببين هما:
أولا، هو ان الناس في كل الدول معرضون للخطأ، سواء كانوا حكاما أم محكومين وليس من المعقول ان يوضع الانسان تحت التوجيه المطلق لأولئك الذين يمكن ان يقعوا في الخطأ في مسألة بهذه الخطو
المزيد


العقد الاجتماعي والمجتمع المدني-1

أيار 2nd, 2009 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , ثقافة ديمقراطية

ابراهيم الحيدري

——————————————————————————–

توماس هوبز- الطبيعة الانسانية وقانون الغاب

تشكل نظريات العقد الاجتماعي من الناحية التاريخية والسوسيولوجية الفكرة المحورية للفلسفة السياسية الحديثة باعتبارها ثورة فكرية ترتبط بتطور المجتمع المدني والسلطة السياسية والدولة الحديثة. وتعود هذه الافكار في جذورها الى مفهوم ” الحق الطبيعي “. فقد اشار غروتس المتوفي عام 1645 الى انه ” يجب اقامة الدولة على الميل الطبيعي نحو العيش المأمون والمأمول عن طريق البحث عن قواعد تقوم على العقل “. وقد شكلت هذه المقولة تحولا اساسيا في فكرة الشرعية، حيث اصبحت السلطة، في المنظور العقائدي، مؤسسة انسانية تستمد شرعيتها من التعاقد بين الناس، وهو تعاقد منظم للحريات والحقوق، وبذلك اصبحت المشروعية السياسية والاجتماعية مرتبطة بالذات الانسانية كذات مسؤولة وفاعلة من حيث انها حرة. وقد شهدت هذه النظرية تطورا وصراعا بين تأويل الحق الى الخلق وتأويل يرجع الحق الى الطبيعة البشرية القائمة على العقل والتي تستند على اساس انطولوجي قوامه مبدأ المساواة.

تفترض نظريات العقد الاجتماعي وجود حالة طبيعية من الفطرة التي مثلت حياة الانسان البدائية القديمة حيث عاش الانسان حينذاك في حالة “لا اجتماعية” يتمتع فيها الافراد بحقوق طبيعية، حيث كان الانسان القديم يعيش معزولا عن الاخرين ومدفوعا بغرائزه، وان طرق اشباع تلك الغرائز غير المنظمة دفعته الى الصراع مع الآخرين.

ان هذه الحالة ” اللااجتماعية ” دفعت اعضاء المجتمع، عن طريق الاتصال والحوار والتشاور والتفاهم، الى انهاء حالة الصراع والفوضى الدائمة، عن طريق اتفاق اجتماعي يستهدف اختيار سلطة سياسية يتنازل الافراد لها عن حقوقهم، وتقوم تلك السلطة باعادة توزيع الحقوق والواجبات على الافراد وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد اختلف العلماء حول طبيعة العامل الذي دفع الافراد الى القيام بمثل هذا العقد الاجتماعي والتخلص من حالة الفوضى والصراع المستمرة وكان في مقدمة هؤلاء العلماء توماس هوبز.

نظرية توماس هوبز
عكست نظرية توماس هوبز (1588-1679) الصراعات السياسية والاضطرابات الدينية التي قامت في أروبا خلال القرن السابع عشر وخصوصا حركات الاصلاح الديني والحرب الاهلية في انكلترا وما خلفته من صراع.
وتعتبر نظرية هوبز أهم عمل انتجه الفكر الانكليزي في الفلسفة السياسية التي انطلقت من رؤيته للطبيعة الانسانية التي تقوم على “الانانية الفردية”. وهي رؤية ميكانيكية للكون والحياة والطبيعة. فالعالم عند هوبز يقوم على نظام ميكانيكي وكذلك الطبيعة الانسانية التي يتحكم فيها السلوك الميكانيكي، فهو يعتقد بان الطبيعة الانسانية تحكمها الانانية، لان السلوك الانساني هو نتيجة لعواطف وانفعالات واحاسيس، وهي صور متنوعة من الحركات الميكانيكية التي تصدر عن النفس الانسانية. وان جميع حركات البدن هي حركات ميكانيكية تصدر عن الدماغ. كما ان سلوك الانسان، من عواطف وانفعالات، ما هي الا حركات ميكانيكية توجه السلوك وتكيف العلاقات الاجتماعية.

لقد وضع هوبز اذا أسس نظرية اخلاقية تقوم على الانانية الفردية التي ترتبط بالفكرة التي سادت انذاك، وهي ان الطبيعة الانسانية تقوم على تقبل اللذة ورفض الالم. ولذلك سعى الانسان جاهدا وبالضرورة الى الحصول على اللذة وتجنب الالم. ومثلما تنطبق هذه الفكرة على الانسان، تنطبق ايضا على المجتمع والنظم والعلاقات الاجتماعية والتي تعود في اساسها الى عوامل ذاتية تعود على الفرد بالمنفعة والشهرة والغنى. اما اساس التعامل الاجتماعي وقيام العلاقات الاجتماعية، فهو الخوف المشترك للافراد على ذواتهم،الذي يقوم على غريزة البقاء والمحافظة على الحياة.

الأنانية و قانون الغاب

ان طبيعة الانسان عند هوبز انانية وعدوانية، وهذه الانانية والعدوانية دفعت الافراد الى الصراع والاقتتال بعضهم مع البعض الآخر والى قيام الحروب بين البشر، انطلاقا من ان “الكل في حرب ضد الكل”. الا ان هذه العدوانية الذاتية هي نفسها التي تدفع الانسان للبحث عن الامان، لذلك يجنح الانسان الى استخدام القوة. وهكذا فالحياة تمثل حالة حرب دائمة بين الافراد، وان المجتمع البشري هو اشبه “بغابة من الذئاب”، لان للطبيعة البشرية طبيعة حيوانية ومتوحشة، والقانون الذي يسود الحياة هو “قانون الغاب” حيث يسيطر القوي على الضعيف. كما ان هذا القانون هو الذي يتحكم في العلاقات الاجتماعية، لان الانسان مجبول بالفطرة على استخدام القوة والخداع. وبسبب قانون الغاب هذا كان الانسان قد فقد جميع حقوقه الطبيعية، لان انانيته الذاتية دفعته الى استخدامه.

ان حالة الحرب الدائمة بين الانسان “الذئب” واخيه الانسان دفعت هوبز الى القول، بان حالة الحرب الدائمة تتعارض اساسا مع مبدأ حب البقاء والمحافظة على الحياة، لذلك لا يمكن للبشرية ان تستمر على هذه الحالة الى الابد، لان العقل البشري يعمل على تهذيب هذه الطريقة الحيوانية الانانية. ولكي يتمكن الانسان من التخلص من حالة الحرب المستمرة، بدأ يفكر بوجود قوة اخرى، غير مبدأ القوة، تضمن للمجتمع قدرا معينا من النظام، الذي يستطيع وضع حدا لهذه الحرب المستمرة ونشر الاستقرار والسلام. وهذه القوة البديلة، في رأي هوبز، هي هيئة او جماعة يخضع الافراد لها خضوعا مطلقا، وقد مثلها في شكل عملاق جبار او وحش هائل او تنين عظيم سماه ” الليفياثان” Leviathan الذي يستطيع ان يفرض النظام بالقوة والخوف وبذلك يستطيع ان يجمع في يده جميع السلطات وتخضع له في الاخير جميع التنظيمات. ان هذا التنظيم الجديد هو” السلطة ” التي تتكون بموجبها الدولة. ومن هنا فان هوبز يقابل بين الطبيعة البشرية التي تقوم على غريزة الان
المزيد


مجتمعات سيادة القوة وغياب القانون

كانون الأول 5th, 2008 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , ثقافة ديمقراطية

/12/2008

 برهان غليون 
ما الذي يفسر ما تعرفه المجتمعات العربية من استهتار بالحياة القانونية على مستوى الدولة والمجتمع معاً، وارتدادها نحو التضامنات البدائية والاستسلام لغريزة الاقتتال والعنف؟ سؤال فاجأني به أحد مسؤولي منظمات حقوق الإنسان الدولية، قبل أيام في باريس.

 والمراقب المحايد لا يمكنه أن ينكر أن أكثر ما يسم أوضاع المجتمعات العربية الراهنة هو غياب احترام القانون وضعف الحوافز الأخلاقية، إلى درجة يبدو كما لو أن القوة فقط هي التي تقوم بترتيب العلاقات وأشكال الانتظام الفكرية والسياسية والاجتماعية في هذه المجتمعات. ولا يكاد سلوك أو جهد يقوم على أصول أو قواعد مرعية واضحة، وكل ما نقوم به، من التربية الفردية إلى الحرب، يجري خارج أي مثال أو أطر واضحة، فقهية وعلمية وسياسية، كما لو أن كل التقاليد ومخزونات التجارب الانسانية الطويلة، قد ضاعت تماماً، ولم تعد هناك أية مرجعية واضحة يستند إليها الفرد أو الجماعة أو الدولة في أفعالهم أو ترتيب شؤونهم وحقول ممارستهم. لا يمكن لمثل هذا الوضع إلا أن يثير تساؤلات عديدة، خاصة عندما يتذكر المرء ما حفلت به الحضارة العربية من تراث فقهي وتعلق بالتقاليد واحترام شديد للشرعية والأصول المرعية.

هناك في نظري أربع تجارب، أو بالأحرى محن، تفسر هذا الانهيار في معنى القانون لدى المجتمعات العربية. الأولى هي المحنة الاستعمارية. فرغم تحديثها للدولة، إدارتها ومؤسساتها القانونية والقضائية، فإنها قوضت معنى القانون باستخدامها لتطبيقه في حقل العلاقات المدنية كغطاء لممارسة عامة غير شرعية وغير قانونية، وبقدر ما أدخلت من مفاهيم ومعايير وقيم مرتبطة بالحرية والعدالة والمساواة لتبرير تدخلها في الشؤون العربية، فقد شكّل حكمُها نفسُه نفياً عملياً للعنصر الرئيسي الذي تصدر عنه هذه القيم والمعايير القانونية، أي الإرادة الوطنية والسيادة السياسية.

وبينما تذرعت بتعليم شعوبنا القانون، فإن وجوده لم يقم إلا على أساس القوة والقهر والإكراه. فقد أعطت السلطة الاستعمارية أول وأهم مثال على اغتصاب إرادة المجتمعات والجماعات والأفراد وحكم

المزيد


عبد الجسد الزعيم الأوحد إلى الأبد….. مقالة للمناقشة في الوسط الكردي السوري

شباط 22nd, 2008 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , ثقافة ديمقراطية

علي سيريني

يود أحدهم لو يعمّر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمّر"

هذه هي صفة الإنسان الظالم، المتحول إلى وحش مفترس لحياة الآخرين. عبد الجسد هو ذلك الكائن الذي يقتل روح الآخرين ليتمكن من التمتع بالشهوات كلها، وفي كلّ آنٍ وزمان.
عبد الجسد لا يفكر إلا في جسده والأقربين منه دماً ولحماً وخدمة. عبد الجسد عدوّ لدود للعقل والفكر، فيركب صهوة القانون والدستور ويشرّع كما يشاء. يقفل الأفواه ويكمّم المشتكين، ويعذب الكاشفين وينفي المارقين من سلطته التي وإن استمرت ألف سنة فلا يغير من جوهرها سبيلٌ في الحياة.
نسبة عبد الجسد إلى البلد كنسبة الملح إلى الطعام، فمن ذا الذي يصلح الملح إذا الملح فسد؟

عبد الجسد زعيمُ شعبٍ، يتاماه يصبغون الأحذية في الشوارع، وفي الطرقات تشحذ نسائه، وأرامل الشهداء قضين عمراً في قبض المعيشة مقابل الملامسة لدى المسئولين سرّاً نعلمه نحن، ويعلمه بعلٌ من اتباع عبد الجسد يخبرونه، فيبتسم ساكتاً، يفكرُ ملياً بأولاده وإخوته مدركاً باعهم في السطو على أجساد الإناث الملساء. وهو زعيمٌ على شبابٍ يمموا شطر الغرب يحلمون بالعيش وتختفي في مرآة وجوههم صورة الأجداد وذكريات البلد.

عبد الجسد يستيقظ صباحاً ويطلّ من شرفة قصره العالي على المدينة التي يغطيها الغبار وِسعة السماء، ينتشي سعادة القوة والملك والمال والرفاهية. يمر بمطبخ القصر فيشم رائحة اللحم، يطبخونه للغداء، فيبتسم للخدم: أسنانه بيضاء تعاني من التسوس لطول الانغراس في لحم الضأن والغزلان. في الصباح يأكل العسل والقشطة ومأكولات جلبت له خصيصاً من عواصم الدول. يتركها كومةً يأنف منها معافى، ويتخلص كل يومٍ من كومة شكاوى الشعب: يحيّيه بيسراه في الاحتفال: اليمنى للضيف مصافحةً كي لا يشمّ ريحة أكوام بقايا الطعام وقذارة الشكاوي.

الجريدة الحزبية تنفي الخبر وتضيف أن الرئيس تسوست أسنانه بالسياسة: ساس يسوس من السياسة، حسب التفسير الفلسفي لكادر الجريدة.
وفي الظهر يستقبل عبد الجسد دبلوماسياً من الدرجة العاشرة، لا يعرفه أحد، يجلس عبد الجسد أمامه مثل تلميذ ابتدائي أمام معلم الصف، وتكبر الصورة وتغطي النصف الأعلى من جريدة الحزب، وعلى شرفه يأكل الضيف من مأدبة الغداء الفاخر والكريستال المزين يشع النور، يضيف البهجة وسط أثاث فاخرة، والشمس تُسقط لهيبها على طابور الناس منذ يومين ينتظرون قنينة الغاز وسط المدينة.

عبد الجسد يعرف شعبه جيداً، فقد تجبنوا له، وعزم إلا أن يركبهم إلى الأبد. عبد الجسد فوق القانون، والمحاسبة لا تشمله: أين يأخذ الأموال، وأين يصرفها، وأسباب قيادته للحرب الداخلية ضحاياها بالألوف، وتخريبه للبلد!

عبد الجسد يقوم ويقعد ويحكم ويسافر ولا يراه أحد. يهيئ منذ أمدٍ إبنه البكر خليفة له بعد فناء جسده، لكنه لم يحرّم أحداً من أقاربه من المُتع والقوة والمال المسروق من خزينة البلد. إلا أنه رحيم وقلبه رقيق: ينوّم أموالنا باسمه في بنوك الغرب كي لا يتعب الشعب في الحساب

المزيد


المواطَنة… وشروط الديمقراطية

شباط 16th, 2008 كتبها الحقيقة والحوار نشر في , ثقافة ديمقراطية

حسن حنفي

الاتحاد الاماراتية

 2008 السبت 16 فبراير  

ليست الديمقراطية نظاماً سياسياً صورياً يُنقل من منطقة ويزرع في منطقة أخرى. بل هي تطور طبيعي للمجتمعات بنية وثقافة، ونتيجة لصراع طويل ضد الديكتاتورية وهي نظم التسلط والقهر والطغيان والطائفية والمذهبية والعرقية.

الديمقراطية إذن لها عدة شروط منها المواطَنة ومساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات أمام القانون. المواطنة هوية المواطن وليس العرق أو الطائفة أو المذهب أو القبيلة أو العشيرة أو الأسرة. ولقد قامت الثورات الغربية الحديثة باسم المواطنة. وكتب هوبز "في المواطن" تنظيراً لثورة كرومويل في إنجلترا. وقامت الثورة الفرنسية في 1798 باسم المواطنين، وتم الإعلان عن "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن". وقامت الثورة الاشتراكية الروسية في 1917 باسم "الرفاق". فالمواطن لا ينتسب فقط إلى وطن بل أيضاً إلى جماعة، فالمواطن في هذه الحالة هو "الرفيق". ومازالت الحركات الدينية المعاصرة، تفضل لفظ "الأخ". وجمع عبدالناصر في افتتاحيات خطبه بين الوطن والجماعة، بين الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية في "أيها الإخوة المواطنون".

وتقوم المواطنة على الفرد. فكل مواطن فرد. وكل فرد مواطن. لذلك قامت الديمقراطية البرلمانية على أنه "لكل فرد صوت". فلا تشترى الأصوات جماعة، أصوات الأسر أو العائلات أو البلديات أو القرى أو القبائل. والوعي الفردي يتطلب درجة من التعليم والاستقلال والوعي الذاتي والثقافة الفردية التي لا توفرها مجتمعات "سي السيد"، أو الشرطي و"فتوة" الحي.

وباجتماع المواطن والفرد تنشأ حقوق الإنسان الطبيعية كما دونتها المواثيق الدولية والإعلانات العالمية بما في ذلك "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الإسلامية" التي لا تختلف في جوهرها عن "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" إلا بإضافة بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تدعيما لها. وهي حقوق مادية، إشباع الحاجات الأساسية من طعام وشراب ولباس ومسكن وتعليم وصحة وحركة، وحقوق معنوية فيما يتعلق بحرية التعبير عن الرأي واختيار من يحكمه ويثق فيه. وهي الحقوق التي جسدتها مقاصد الشريعة الضرورية الخمسة: الحفاظ على الحياة والعقل والدين أي القيم والأخلاق، والعرض أي الكرامة والشرف، وأخيراً المال أي الثروات الوطنية.

وحق المواطن الفرد الحُر هو حرية الفكر والتعبير، وشرعية الاختلاف. فالتفكير حق طبيعي ل

المزيد