جاد الكريم الجباعي
يلفت النظر هذه الأيام، أنّ قضية "الإصلاح الديني" باتت قضية كثرة من "العلمانيين". ما يجعل القضية ملتبسة من المبدأ والأساس: علمانيون يريدون إصلاح الدين. بعضهم تقلقه الصورة التي يقدمها إسلاميون عن الإسلام، فتجعل منه معادلاً للإرهاب.
وبعضهم الآخر يجترّ مرارة إخفاق "المشروع النهضوي العربي" والمصير الذي آلت إليه "حركة التحرّر القومي" العربية، على اختلاف تلاوينها، والتي يزعم بعضنا أنها "وحّدت الأكثرية الإسلامية السنّية والتقدّم"، ولو توحيداً هشّاً، ولا سبيل لإعادة بنائها واستئناف المشروع المغدور إلا بعد إنجاز الإصلاح الديني، الذي يعدّونه شرطاً لازماً للنهوض والتقدّم، لا نتيجة لهما. لذلك بات الدين عند بعضهم، هو الموضوع، وإصلاحه هو الهدف. والدين هنا هو الإسلام السنّيّ، دين الأكثرية العربية، لأنّ الإسلام الشيعيّ يندرج في عداد الأقليات العربية الإسلامية، كغيره من المذاهب الإسلامية.
ورغم كثرة الدوافع الباعثة على "الإصلاح الديني" واختلافها، وانطلاقها جميعاً من هاجس الهوية، فإنّ السؤال المطروح هو: هل بوسع العلمانيين أن ينجزوا مشروعاً من هذا النوع، وهل الإرادة الذاتية وحسن النية وسلامة القصد كافية لذلك؟ والسؤال الأهمّ: هل الإصلاح الديني شرط لازم للنهوض والتقدم أم نتيجة لهما؟ ثم هل بوسع المصلح العلماني أن يتجاهل تعريف حسن البنا للإسلام بأنه "دين ودنيا ودولة .. مصحف وسيف"، وهو تعريف يؤيّده ويعزّزه الكتاب والسنّة والتاريخ؟
منذ نشوء المعتقدات الدينية لم يخل أيّ منها من حركات إصلاحية ومحاولات إصلاح وعمليات إصلاح وإصلاح مضادّ، كانت دوماً استجابات مختلفة لحاجات الواقع وحكم الزمن، ولم تأت أيّ منها من خارج المجال الديني أو المذهبي المخصوص، وكان كلّ إصلاح في ملّة من الملل أو نحلة من النحل يفضي بالضرورة إلى نشوء ملّة جديدة أو نحلة جديدة أو فرقة جديدة أو مذهب جديد. الإسلام ليس استثناء، بل يكاد تاريخه أن يكون تاريخ نشوء المذاهب والفرق الإسلامية وعلاقاتها المتبادلة، تاريخ نشوء الأرثوذوكسيات والأيديولوجيات التفاضلية. فإنّ معرفة الإسلام، بوصفه ديناً في العالم وفي التاريخ، لا تكتمل إلا بمعرفة جميع المذاهب والفرق الإسلامية، التي يفترض أنها متساوية في القيمة الروحية، بغضّ النظر عن معتقداتها وعن عدد أتباع أيّ منها.
الإسلام إسلامات أو أرثوذكسيات لا تقبل الإصلاح، من خارجها، مثل سائر الأرثوذكسيات الأخرى، بل تقبل الانقسام فحسب. (وكذلك الأورثوذكسيات العلمانية)، وهذا لا ينفي أثر العوامل الخارجية الحاسم في معظم الأحيان. ذلك لأنّ الموضوع المعلن لأيّ نزاع داخليّ ينشب في أيّ منها، لأيّ سبب من الأسباب، هو المشروعية الأيديولوجية التي تباركها السماء. النزاع الداخلي يضعف الأيديولوجيات ويؤدّي غالباً إلى انقسامها، في حين يقوّيها نزاعها مع غيرها، ويزيدها تماسكاً وصلابة.
الأرثوذكسيات تتجدّد وتتقوّى بتأويل الوقائع ونفي الزمن ومقاومة البدع والهرطقات وحذفها خارج مجالها الخاص مادياً ومعنو













